الأربعاء، 17 مايو، 2017

(مجراية) تروي (ملوى) فنًا وثقافة

(حمادة زيدان) و(طوني صليب)، شابان يجمعهما الانتماء لنفس المدينة (ملوي)، التي تقع على بُعد 45 كم2 جنوب عاصمة محافظة (المنيا)، ومع ذلك تأخر تعارفهما الأول إلى زمان ومكان نائيين نسبيًا، نحن نتحدث هاهنا عن نحو 270 كم2 شمالًا؛ القاهرة.. إحدى الندوات السياسية بنهاية 2011م، على خلفية حراك ما بعد الثورة.
عقب العودة إلى مدينتهما الأم، استمر التواصل ليشهدا –معًا- تبعات فض رابعة والنهضة، بما تضمنه من أحداث فوضى وحرق أقسام وكنائس في (ملوي)، وإن كانت الطائفية بالذات ليست جديدة –للأسف- على تاريخ المكان.

"أخطاء بالجملة، تصنيف للشعب ما بين حزب كنبة وفلول، قوائم بيضاء وسوداء، إهانات متتالية لكل من لم يكن معنا، لقد فشلنا بنا، وفشلنا أصبح من داخلنا أولاً، لذلك كان القرار، وكانت العودة للوطن الأصغر، للمجتمع الأصغر لمدينتي “ملوي”".
من مقال (حمادة زيدان) بجريدة القاهرة       

“الإصلاح بواسطة الثقافة والفن”.
هذه هي القناعة التي اختارها (طوني) و(حمادة) للتعاطي مع الأحداث السابقة، فبدءا –تدريجيًا- عن طريق تدشين صالون ثقافي، بالتوازي مع الانخراط في قضايا المجتمع المحلي، داخل قرية (البرشا)، من خلال التعاون مع جمعية أهلية هناك تحمل اسم (مصر للتنمية والتطور الديمقراطي)، ضمن مشروع برعاية؛ (اختيار) لدراسات النوع الاجتماعي.
استشعر الثنائي -بعد حين- أن السقف لا يزال أدنى من طموحاتهم، فترجموا رؤيتهم إلى أرض الواقع عام 2014م، من خلال مشروع طموح، يخاطب بيئتهم المحلية بما يتناسب مع التركيبة ذات الخصوصية سالفة الذكر، فاستهلوا باختيار اسم نابع من هذه البيئة.

“مجراية”: هي التفريعة المائية، التي تصل بين الترع والأرض الزراعية.
حتى أول أنشطتهم، أضمر نفس الدلالة، من خلال تنظيم رحلات جماعية داخلية إلى آثار “تونة الجبل” و”الأشمونين” و”تل العمارنة”،
نتج عنهم ما يزيد عن 1500 صورة فوتغرافية،  كانوا كافيين جدًا -ككم ومستوى- لتقديمهم في ثلاثة معارض في مقر (مجراية)، (بيت السناري) الأثري بالسيدة زينب، ضريح (سعد زغلول) بالقاهرة.

جدية التجربة جذبت تشجيع ومساندة جهات عدة، سواء “حكومية” مثل المركز القومي للترجمة، الذي أهداهم مجموعة قيمة من الكتب، أو “خاصة” مثل (اختيار) لدراسات النوع الاجتماعي، الذي عملا معه سابقًا، أيام جمعية (مصر للتنمية والتطور)، والآن.. يدعم “مجراية” طوال عامها الأول كاملًا.
توسعت (مجراية) في قاعدة المتطوعين الذين انضموا إليها، كذلك في الشراكات الخارجية، يأتي في صدارتها مؤخرًا؛ مشروع (مكتبة القهوة) التابع لمعهد (جوته) الألماني، أعتبره الأهم بما أنه كان الطرف الذي وفر رعاية كاملة لـ (حمادة) و(طوني)، كي يخرجا بمعرض كتاب كامل.

المؤلف والسيناريست (عمر طاهر)، الكاتبة القادمة مع صفوف مشاهير المدونين (غادة عبد العال)، مرشح جائزة البوكر (محمد عبد النبي)، الأديبتين المخضرمتين (مي خالد)، (سهى زكي)، بجوار ورشة تعليم كتابة يديرها الأسواني الحاصل على جائزة الدولة (أحمد أبو خنيجر).

في مجال الفن؛ فريق (عمدان النور)، المغنية (هند الراوي)، المخرج (طارق الدويري).

صدق أو لا تصدق، هذه الأسماء تواجدت ضمن حدث، يعد أضخم ما شهده الصعيد منذ مدة طويلة.

تمنيت الحضور لأكثر من علة، في مقدمتهم أنني من عشاق (عمدان النور)، واو.. لم أتصور إمكانية زيارتهم الجنوب من الأصل، علاوة على لقاء كتاب شباب، شغفت بمطالعة بعض أعمالهم –قبلًا- مثل (عمر طاهر) و(غادة عبد العال)، (محمد عبد النبي).

نفس السبب، يجعلني شغوف بمصافحة الأساتذة (أحمد أبو خنيجر) و(مي خالد)!

أعتبرهما –تحديدًا- أصحاب تأثير لا ينسى، منذ تشرفت بمعرفتهما لأول مرة عام 2015م، وقتما أشرفا على توجيه مجموعة من المؤلفين الشباب ضمن برنامج تابع لمكتبة الإسكندرية، تصادف أنني كنت أحدهم.. لكن ليس وحدي..  هناك كان تعارفي المباشر الأول بزميل منياوي يشتهر بنظارته الطبية.. وملامحه التي توحي بسن أكبر ما هو عليه.. (حمادة زيدان).

للأسف، ليس كل ما يتمناه المرء يدركه، عجزت عن حضور المعرض تمامًا، لكن الصحفي والزميل المشترك (سامح فايز) فعلها، ومن خلال التغطية التي نشرها عن المعرض، عرفت أن الحدث تهدد بالإلغاء في آخر سويعات، بسبب خطأ إداري.

لاحظوا أننا إزاء أنشطة ما بين حفلات غناء/ عروض مسرحية للهواة/ بانوراما للفيلم الألماني/ ندوات، يقام أغلبها في مسرح مركز شباب (ناصر)، بالتعاون مع (معهد جوته)، ومكتبته المتنقلة، ومكتبة (ومضة) بأسيوط، إلخ.
أي أنها جميعًا جهات "غير حكومية"، باستثناء وزارة الشباب الذي استأجروا المسرح منه، وهو -تحديدًا- ما كان مصدر التهديد.
اهتممت بالتواصل مع (حمادة زيدان)، لأسأله – ضمن ما سألت- عن تفاصيل هذه الواقعة، فأجاب:
- في الوقت الذي كنا ننهي فيه الاتفاق مع اسم كبير كـ (عمر طاهر)، تقاعس موظف محلي في رفع أوراق المعرض، إلى ما قبل الافتتاح بثلاثة أيام، فرد رؤسائه بما معناه؛ نظرًا لوجود راعي أجنبي، وجب إبلاغنا قبلها بـ 15 يومًا.
بما أن الإلغاء أو التأجيل غير واردين في هذه المرحلة، انتفضت (مجراية) –بكل الطرق- في محاولة لتدارك الكارثة، حتى نجحت في التواصل مع الوزير المختص، الذي تدخل –مشكورًا- بإيجابية.
المفارقة، أن (مجراية) أرادت كسر حاجز المركزية، بإقامة أنشطتهم الخاصة في الصعيد، لكن غول روتين التفاصيل الحكومية.. أبى أن يتم الأمر إلا بجواز مرور "التدخل المركزي" في النهاية!!

من حارة “القسيس” بأطراف مدينة “ملوي”، بدأت مجراية بمقر يتكون من غرفة واحدة، شكلت معقل أنشطتهم من صالون ثقافي، وأمسيات غنائية، ومعارض، كلها مجانية، إلى جوار ورش تدريبية في مجالات كـ؛ الرسم، والموسيقى، والتصوير، تقدم إلى الجمهور بأسعار رمزية، وتعتبر المورد الأساسي لتسديد إيجار المكان.
أثناء جمع المادة الصحفية عن (مجراية)، قادني محرك البحث، لعدة فيديوهات على يوتيوب، توثق الأمسيات الثقافية التي عقدت هناك، خرجت منها بملاحظتين رئيسيتين:
-لولا علمي بأن (طوني) و(حمادة) هما المسئولان المنظمان، لما ميزت ذلك داخل الفيديوهات، إذ يهيأ لك أن الأغلبية ضيوف ومضيفين في الوقت ذاته، يبلغ عدد المتطوعين –وقتها- 25 معظمهم طلبة ثانوية عامة، والبقية من أعمار مختلفة، أحدهم (مينا) الذي أصبح شريكًا فيما بعد، ومسئولًا عن نادي السينما.
-بعض من قدموا مواهبهم قدموا من خارج (ملوي)، بل أن بعضهم جاء من مدينتيّ (المنيا) و(سوهاج).
بخصوص هذه النقطة، أذكر حديث (طوني صليب) خلال أحد لقاءاته التلفزيونية، عن المعاناة الثنائية، ليس -فقط- احتكار (القاهرة) للحراك الثقافي وغير الثقافي، بل حتى القليل من الأنشطة المتبقي خارجها، تنحصر في عواصم المحافظات.

– وجودنا في (ملوي)، محاولة لكسر هذه المركزية المزدوجة.
نجحت (مجراية) في تحقيق هذه الرؤية على عدة أصعدة، أبرزها في مجال المسرح مثلًا، مستفيدين من وجود أرضية له بالمنيا، سواء في صورة مواهب أفراد، أو مبادرات مثل (تياترو الصعيد) لمؤسسه (كيرلس صابر)، ومن قبل كلاهما أب روحي مثل الفنان (رأفت ميخائيل)، ساعد في تمهيد التربة الخصبة هناك من الأساس.
استثمرت (مجراية) الأجواء السابقة لإرساء احتفاليتها بالتوازي مع يوم المسرح العالمي – مارس 2015م، تحت رعاية (راديو حريتنا)، بتذاكر رمزية 5 جنيهات، داخل قاعة مؤجرة من وزارة الشباب، تسع 350  فردًا.
في سبتمبر 2015م، أعقبتها (مجراية) بمسرحية (نصف ميت) بالتعاون مع فرقة (كواليس)، عن رواية الكاتب المعروف (حسن الجندي)، التي تحمل نفس الاسم.

– حاولنا اختيار مكان له رمزيته هذه المرة، فلم نجد أفضل من سينما مهجورة أغلقت 1996م، على خلفية أحداث إرهابية، اتجهنا لصاحب السينما نطلب تأجيرها، فرحب.. ليتم افتتاحها كقاعة مسرح بعد عشر سنوات من غلقها.

لا نريد أن يوحي كلامنا بأن؛ الخطوات الواسعة اقتصرت على مجال المسرح، ولا حتى المعرض الضخم المشار إليه سابقًا، إذ بوسعنا أن نضيف إلى القائمة، كلمات (حمادة زيدان) عن الصورة الكلية الحالية لتطور (مجراية):
“منذ عام، أصبح لمجراية مقرًا جديدًا، يحتوي على ثلاث قاعات ومكتبة استعارية ضخمة، ومكتبة بيع، قمنا بالعديد من الشراكات مع مؤسسات ومراكز مصرية وأجنبية منها “معهد جوتة الألماني” كما ذكرت سابقاً و”مكتبة الإسكندرية” و”مركز الأندلس” ومحطات للفن المعاصر، ونقوم بتدريب الشباب على الموسيقى، والمسرح، والكتابة، بالإضافة لنادي السينما، ولكننا ما زلنا إلى وقت كتابة هذا المقال نقوم بالبناء في ثقافة مختلفة، في مجتمع تجاري نحاول أن نخلق للفن دوراً فيه”.

- للمزيد طالع صفحة مجراية من (هنا).
- تم نشر هذا المقال، على موقع (كلافو)، لمطالعة الرابط الأصلي (هنا

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة

"