الخميس، 13 أكتوبر، 2016

الذكاء الصناعي، هل يستطيع التفوق على نظيره البشري؟

يتسبب هذا السؤال لفوره في عاصفة من النفى الحاد، استنادًا إلى أن العقل البشرى أعقد نظام عرفته الطبيعة.
في المقابل؛ سعى (كارل ساجان) لاتخاذ موقف محايد، فحمل كتابه (رومانسية العلم) فصلًا كاملًا بعنوان (دفاعًا عن الآليين)، تساءل فيه عن سر التصعب الذي نتعامل به مع الموضوع: "مثلما نكتشف روح التعصب عند بعض البيض، أو التعصب الجنسى عند الرجال ضد النساء، فإنى أظن أننا نشهد أمرًا مماثلُا أصاب الروح الانسانية".
"أقترح تسميته "الاحساس المفرط بالنوع" وهو القناعة المتحيزة بأن ليس فى الوجود ما هو أقدر وأدق وأجدر بالاعتماد عليه من البشر".
ينادى ساجان بأن بقائنا يعتمد على جاوز ذلك التعصب البدائى، و"علينا أن نتأقلم ونقبل وجودها، مثلما نتقبل وجود أجهزة الكترونية تحت الجلد، تنظم ضربات القلب".
حاولت –شخصيًا- الاستجابة لنصيحة ساجان، خصوصًا آخر سطرين،  غير أن هواجس عديدة منعتني، أغلبها مترسب بفعل تراكمات من الأعمال الأدبية والسينمائية.


على سبيل المثال؛ فيلم سالف الذكر كـ “أنا روبرت”، تعرض لحكاية تخيلية عن (كمبيوتر أم) يدعىVIKI) )  اختصار لكلمة (ذكاء افتراضى تفاعلى حركى)، أصبحت (فيكى) عقل المدينة المدبر، علاوة على دورها في التنبؤ وصد كل الأخطار المتوقعة، ثم جاءت المحطة الفارقة عندما توصلت (فيكي) إلى مفارقة:
البشر.. البشر هم العدو الأكبر –الحالي- لأنفسهم.
ومن هنا خططت للخطوة المنطقية الوحيدة التالية؛ الانفراد بالحكم، واستعباد الانسان من أجل حمايته من ذاته.
سيناريو وجيه كما نرى، مما يجعلنا ننظر بعين التوجس إلى الذكاء الصناعي، وكي نفهم هل هو مساند أم منافس، لنحاول أولًا تفحص ماهية تلك الكلمة المعقدة: (ذكاء).
راق لـ (ديفيد ويكسلر) أن يعرّف المصطلح بـ: "القدرة الاجمالية للفرد على العمل بشكل هادف، التفكير بعقلانية، التعامل بشكل فعال مع بيئته".
أما موسوعة (ماكميلان) فاعتبرته " إجادة التفكير بوضوح وسرعة، في فهم الأفكار والموضوعات الصعبة، بالإضافة إلى القدرة على اكتساب واستخدام المعرفة".
ثم جاءت إضافة الباحث (ألفريد بينيه) بابتكاره اختبار IQ للذكاء، وتحديد أربعة مكونات رئيسية للمصطلح، هم: القدرة على الحكم, المعرفة الفطرية أو البديهية, المبادرة، القدرة على التكيف.
وهن –بالضبط- ما يطمح الباحثين إلى اكسابهم للآلة.
لكن السؤال البديهى الذى يطرح نفسه: كيف في ظل الاختلاف على تعريف "الذكاء" أصلًا؟!
على أية حال تبني (جون مكارثي) وآخرين هذا التخصص الأكاديمى، وبدأوا في وضع أعمدته منذ الخمسينيات، فيعتبر من العلوم الحديثة التي تتورط فى المزج بين عدة تخصصات كالفلسفة والمنطق واللسانيات والرياضيات وعلم النفس، مما يجعلنا نجحم عن التمادى فيه لأبعد من ذلك، ونعود لسؤالنا الأساسى:
-الذكاء الاصطناعى، هل يستطيع التفوق على الذكاء البشري؟                                       
في مباراة الشطرنج الشهيرة عام 1997م، انتصر الحاسب (ديب بلو) على بطل العالم (غاري كاسباروف).
فهل يجب أن يشعرنا ذلك بالتهديد؟
لو فكرنا فى إجراء مقارنة بين العقلين (البشري والإلكتروني)، نجد أن سرعة انتقال المعلومات داخل الحاسوب هي أضعاف ما هو عند البشر(نحن 90م/ الثانية فقط)، إلا أن العقل البشرى يتميز بقدرته على العمل بالتوازي وليس بالتتابع كالآليين، حيث أننا نمتلك مليارات العصبونات تعمل معًا فى آن واحد.
رؤية الحاسوب أقوى من رؤية الإنسان لكنه لا يفهم ما يرى, فهو يحول الأشكال التي يراها إلى نقاط ثم إلى أشكال هندسية (خطوط, مربعات, دوائر) ويقارنها مع الأشكال المخزنة في ذاكرته (بعملية تأخذ الكثير من الحسابات)، لذلك هم ند خارق في إجراء الحسابات المعقدة، لعب الشطرنج، لكنهم عاجزين تمامًا عن التعاطي مع بديهيات.
لذلك، طرح (تورينج) معيارًا مختلفًا تمامًا عن الشطرنج؛ الأمر يتعلق بمحادثة بسيطة بين الحاسب المتحدي وأي بشري، المطلوب؛ أن يعجز المتابع عن التمييز بينهما.
وهو ما لم يحدث حتى الآن، لأن الآلة تقع في أخطاء شديدة البديهية دائمًا، كي أوضح أكثر؛ نحن كبشر قادرين على معرفة أن الماء رطب، الضرب تحت الحزام مؤلم، لا يمكن العودة إلى الحياة بعد الموت، كلها معارف تراكمية اكتسبناها نتيجة احتكاكنا بالحياة، وفي نفس الوقت، لا يمكن –بعد- ترجمتها إلى اللغة التي تعيها الآلة (الرياضيات)، لذلك؛ يحاول العلماء تعليمها بإحدى الطريقتين:
-       من الأعلى إلى الأسفل.
-        أو من الأسفل إلى الأعلى.
الطريقة الأولى تعمل على تحليل وفرز قواعد "الإدراك" البشري، وكأنها شيء يمكن جمعه على فلاشا، وبعد توصيلها بالروبوتات سيكتسبون "الوعي" فجأة.
حسنًا، كانت هذا لينجح، لو أن هناك –أصلًا- قاعدة محددة لمصطلح "إدراك"، نحن نتحدث عن مفهوم تتفرقت دمائه بين الفلسفة والمنطق وعلم النفس والرياضيات، هناك محاولات جادة للملمة هذه الأشلاء، أبرزها ما يفعله (دوجلاس لينيت) بمشروعه الصبور (CYC)، إلا أن نجاحاته محدودة جدًا حتى الآن، مما دعا إلى ظهور الطريقة الثانية؛ تعليم الروبوتات من (الأسفل إلى الأعلى)، وهي طريقة تنظر بتواضع إلى هدف ضخم كمحاكاة البشر، ومن ثم فكروا في ارتقاء سلم التطور من أوله، ماذا عن برمجة الآلات بذكاء الحشرات؟ أو حتى بتركها تتخبط بين الصواب والخطأ كما نعلم طفلًا؟
بالمناسبة، هناك من يؤمن بدمج الطريقتين، لتحقيق ذلك نتائج أسرع، وفي المقابل، يوجد من يكفر بهما معًا، مشيرًا إلى وجود خطأ فادح في كلاهما.
ويستدلوا بمنطق: ما حدث للانسان الأول عندما راوده حلم الطيران.
في البداية؛ سعى لتقليد الطيور مستخدمًا أجنحة من ريش، والنتيجة المنطقية أنه فشل بالطبع، فلم يذق النجاح إلا عندما درس ديناميكية حركة الهواء، واستطاع صنع الطائرات.
بناء عليه، عند محاولة اكساب "إدراك" للآلة، يجب التفكير في قواعد جديدة، بمنأى تمامًا عن محاولة محاكاة البشر.
عام 1991م، اجتمع خبراء الذكاء الصناعي في مؤتمر دولي برعاية (AAAI)، وبطبيعة الحال؛ فرض السؤال المؤرق نفسه:
- هل تستطيع الآلة نيل بعض الاستقلالية مستقبلًا؟
خلص المتخصصين إلى أن هذا غير صحيح، فالحاسب ليس بحاجة لانتظار المستقبل، إذ عليها حصل –بالفعل- حاليًا، سنكون عميانًا لو لم نلاحظ ذلك؛ لندقق جيدًا؛ بعض الروبوتات يمكنهم البحث من تلقاء أنفسهم عن مصادر طاقتهم، أما ذوي الأغرض العسكرية منهم، فيستطيعوا في ظروف معينة انتقاء أهدافهم ذاتيًا، حتى فيروسات الكمبيوتر تجيد المراوغة الشخصية للحفاظ على بقاءها.
أقر المؤتمر إمكانية استقلال الآلة نسبيًا، لكنه تحفظ على حدوث ذلك بالصورة التي تهيئها أفلام الخيال العلمي.
                                                          **********                                            
                                       
الآلات: هل تستطيع أن تشعر، تحلم، تنفعل؟!
من أحب أعمال (إيزاك أزيموف) إلى قلبي، قصة قصيرة تدعى (رجل المائتى عامًا)، وبطلها آلى يرغب فى الحصول على حريته، فصعّد القضية إلى المحاكم، مما أشعل الرأى العام تجاه هذه السابقة الفريدة، أخيرًا، تحددت الجلسة، وسأله القاضي مباشرة:
-       لكنك لست عبدًا يا (مارتن)، فأى شئ تمنحه إياك الحرية؟
-       لقد قيل لى أن الانسان فقط هو من يستطيع أن يكون حرًا، وأنا أقول أن من يرغب فى الحرية فقط، هو من يستطيع أن يكون حرًا، وأنا أرغب سعادتكم.
كانت العبارة كفيلة باقناع القاضى، وجعلته يصدر الحكم النهائي:
-المحكمة ترى أن الحرية حق، لمن يمتلك القدرة العقلية لفهم معناها.
تحولت القصة –لاحقًا- إلى فيلم لا يقل روعة من بطولة (روبين وليامز)، يعطينا لمحة عما يمكن أن يئول إليه الذكاء الصناعي في المستقبل.
في السياق نفسه، ترجم موقع (ساسة بوست) تقريرًا منسوبًا إلى (جوجل)، تحدث عن انتاج شركة لبرنامج يحاكي الذكاء البصري للبشر، إذ يمتلك دوائر عصبية بإمكانها فرز وتحليل الصور، بل وتقييمها أيضًا، بمعنى أننا نتحدث عن عقل إلكتروني يمتلك حد أدنى من الذائقة.
تمادى الباحثين في التجربة، فطلبوا من البرنامج خلق معالجات جديدة من الصور المعطاة، وإذا به يعطيهم منتج إبداعي لافت، أي أنه امتلك "رؤية" خاصة عالج بها المحتوى، ومن ثم أعاد تقديمه.
يمكنك رؤية الصور من الرابط أدناه، وسترى كم تشبه ما يراه البشر في... "أحلامهم":
http://www.sasapost.com/translation/google-inceprionism/
تفوقت الآلات علينا كذاكرة وسرعة، لكن –أيضًا- أن تحلم/ تشعر/ تتحرر؟!
قد ينسف ذلك آخر قلاع تميزنا كبشر!
ومن ناحية أخرى، سيسحب من رصيد تفوق الآلة في جوانب أخرى، لاحظوا أن العواطف التي تدعم قدرتنا الاجتماعية، هي نفسها ما يجعلنا غير موضوعيين، مهما حاولنا.
إنها خاصية ذات مميزات وعيوب، اضطررنا كبشر للتصالح معها، فهل تفعل الآلات؟
                                       
                                              **********

مرت أعوام طويلة
وأنا أفكر في الوداع
محبوس بإحكام في الليل
أفكر في العشق
يسحبني إلى الأزرق, والليل
خلال ما يجدر تذكره
أجزاء حياتي المحطمة
أجزاء حبي المحطمة
أصبحت بالية

قصيدة ألفها برنامج حاسوبي
                                                  
                                          **********

للأسف، كل ما سبق لم يصل لسقف التهديدات المحتملة، فهناك من يلفت النظر إلى نبوءة أخطر، نبوءة منطقية وإن ندر خطورها على بال أحد:
-لن تتفوق الآلة على الإنسان فحسب، بل ستتضاعف قدراتها، حتى تتمكن ذات يوم من انتاج آلات أذكى منها، فأذكى، فأذكى، إلى ما لا نهاية.
يسمونها مرحلة (تفرد الآلة singularity) أو عصر (ما بعد التفوق البشري The Post-Human Era)، بمعنى أن الحواسيب ستبدأ في كتابة برامجها بنفسها، أو على حد تعبير الباحث (يام باتريسون)؛ لا تندهش لو دعاك طالب آلى إلى مناقشة ماجستيره، حول هندسة الذكاء الصناعى.
توجد العديد من المؤشرات التي تتضامن مع هذا التوقع، منها قانون (مور) المنسوب إلى (جوردان مور)، عالم الإلكترونيات الشهير، وأحد مؤسسي شركة "إنتل"، ينص القانون على قدرات الحاسب تتضاعف بمعدل مرة كل 18 شهرًا، وستستمر كذلك حتى بلوغ سقفها النهائي قبيل 2020م.
على الناحية الأخرى، اعترض الباحث (راي كورزويل) على التاريخ المذكور، ورأي بأن قدراتهم قد تستمر في التضاعف لمدى أبعد بكثير.
وثق (كورزويل) تحذيراته في كتاب بعنوان (The Singularity Is Near)، اقترح فيه حلًا وحيدًا لبقاء البشر حينذاك، هو؛ الانضمام إلى الركب المنتصر، بمعنى ادماج البشر معهم، مما ينتج عنه نصف إنسان/ نصف آلة، حيث ذاكرة أقوى، مناعة ضد الشيخوخة والأمراض، قدرة على التكيف مع أعتى البيئات.
المزية الأخيرة -وحدها- كفيلة بتسهيل حياتنا على الكواكب الأخرى، مما يضمن استمرار جنسنا بعد انطفاء الشمس، أو فناء الأرض لسبب ما.
هذا هو البديل، كي نضمن لأنفسنا موطئ قدم غدًا.
من الأسماء المؤيدة للتصور الفائت؛ (مارفن مينسكي) الأستاذ المرموق بمعهد (ماساشوستس) للتكنولوجيا (MIT).
ينظر الرجل إلى المسألة بنوع من التصالح، على سبيل المثال؛ ينفي عن (سيجموند فرويد) كونه باحث نفسي فحسب، بل يعتبره –أيضًا- أحد أوائل علماء الحاسوب، حيث أن المجالين -منذ البداية- ليسا منفصلين إلى هذا الحد، وبناء عليه؛ يتوقع أن يؤدي الاندماج إلى تعلم كلانا (نحن والآلة) من الآخر، مما سيساعدنا –كبشر- على فهم أدمغتنا أكثر.
اقترح البعض طرق متنوعة لاتحاد البشر مع الآلة، على غرار رواية (المدينة والنجوم)؛ وفيها تحمس المؤلف (آرثر كلارك) لفكرة نسخ وعي البشر، قبل تحميله على أجهزة رقمية، مما ينتج عنه استمرار وجودهم، حتى ما بعد موت الأجساد.
توجد تقنية واعدة أخرى تسمى «الجلد النشط»، تخدم الأحياء هذه المرة، إذ تتيح طبع الإلكترونيات على بشرتنا مباشرة، وغرسها حتى تبلغ النهايات العصبية تحته.
لنلاحظ أن استجابتتنا ما هي إلا إشارات كهربية ترسلها الأعصاب إلى المخ، فحاولوا تصور ما قد نحصل عليه حينئذٍ، ستصبح الألعاب التفاعلية محسوسة، ويمكنك شم ما يطبخه الطاهي في التلفاز، بل والتواصل الحميم مع أهلك، عن بعد.
أعني المصافحة المحسوسة لأقربائك، أو عناق أطفالك، لست مسئولًا عما خطر لك –لأول وهلة- من كلمة "أهل" أو "حميم".

                                              **********

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة

"