الخميس، 12 يناير، 2017

درب الأربعين

حاولت تصفح (سلفي يكتب الروايات سرًا)، لكنني لم أستطع الإكمال للأسف، فما رأيته كان يشبه رياضي يملك مقومات بدنية واضحة، لكنه أغلب ما مارسه بها، هو تمرين "الجري في المكان". 
لدى الكاتب إمكانيات لا ينكرها إلا أعمى، سواء في اللغة/ الوصف/ صك فقرات تأملية تصلح  كاقتباس مصقول، إلا أن ذلك كله جاء على حساب الزمن، الذي راعني أنه يمضى في الرواية ببطء شديد، أوهكذا هيئ لي من خلال النظرة الأولى.
حسنٌ، اختلف الأمر تمامًا بالنسبة لتجربتي مع (درب الأربعين)، المميزات التي رأيتها في (سلفي) ظلت موجودة، بقدرة سلسلة على تطويع اللغة والتشبيهات، فى مقابل اختفاء العيوب بشكل شبه تام.
لقد بدأ الرياضي في الركض، والتهام المسافات، ومسافات الرواية -هنا بالذات- عنت لي شيئًا عزيزًا، بحكم انتمائي إلى أسوان، وعملي بمدينة (دراو)، فسرني منذ التقت عيني مع العنوان. هناك من اهتم بـ (درب الأربعين)، ورآه مسرحًا مناسبًا لأحداث رواية.
(رحلة البحث الصوفي- تتبع الإشارات- الالتقاء بالجائزة/ المرشد/ الدليل إلى الخلاص الروحي).
أو حتى (الشيخ- الدفينة الفرعونية- إراقة الطمع على الباب).
كل ما سبق ليس بالمفردات الجديدة، فأعتبر (درب الأربعين) نموذج لمعالجة "المعتاد"، وإعادة هندسته وتقديمه في صورة إبداعية جديدة، كما أنه نجح في مخاطبة مستويين من القراء:
- هواة الأعمال الدسمة، بما ساد الرواية من سرد + حوار تأملي، أضاف عمقًا/ بعدًا ثالثًا لعالم الرواية.
 - الذين يعنيهم "الحكي"، بالدرجة الأولى.
وبما أنني من الفئة الثانية، سأخص حديثي عن الإعجاب باختيار مسرح طازج/ غير تقليدي للأحداث، مرتبط بتجارة الجمال وطرقها وتفاصيلها، بالإضافة إلى القص المتواصل لقصص داخل القصص، مع تدفق مستمر للأحداث ما بين الماضي والمستقبل للأبطال.
المجذوب الذي يسرق الطوب ليبني مسجدًا/ الدارفورية التي تحملت رحلة الصحراء مع وليدها، بينما لم تتحمل رؤية ضرتها/ الأقفال الثلاثة على بوابة الدفينة.
أكثر من 400 صفحة، حملت حكايات حية، صب أغلبها في المجرى الرئيسي للأحداث، وبعضها شبه مستقل، قصة الدفينة تحديدًا، تصلح للاقتطاع كنوفيللا منفصلة، تنتمي لأدب الرعب، ذاك المألوف والمحبب بالنسبة لي، فضلًا عن طفو بعض الأسرار غير المتوقعة -بالمرة-، مثل ظهور الأب في أسيوط، أو حقيقة مقتل الجمل الأصفر، أو هوية الدرويش المرافق في طريق العودة.
أعترف أن أغلبها لم يخطر ببالي، وهذا يحتسب للكاتب، عدا المفاجأة الأخيرة حول نسب (خليفة)، لم أرى أي داعي درامي لإضافة كهذه، نفس الشئ ينطبق على حشد من الأشخاص الذين قابلهم الأب أو الابن خلال رحلاتهم،  لو تم حذفهم لما تأثر الخط الرئيسي كثيرًا، بينما ضن العمل بكثير من التفاصيل عن شخصيات رئيسية مثل (خليفة) و(مؤمن).
بعض الحكايات الجانبية ظهرت واختفت دون أن تؤدي إلى اتجاه ما، وفي المقابل، تفاصيل ظلت معلقة بلا تفسير، مثل تفسير تلك المكالمة المزيفة حول الوفاة (هذا لو كانت مزيفة).. أو عندما قال الأب لخليفة: أنه رفض زواجه من زميلته في البنت، لأنه يعلم عنها وعن أبيها ما لا يعلمه الابن.
انتهت الرواية دون أن نعلم ما هذا السبب الوجيه.
ربما يعتبر البعض ذلك أمرًا غير صحي على صعيد التكنيك، إلا أنني.. أحببته.
ذكرتني بأيقونتي المفضلة في أدب (المنسي قنديل) (قمر على سمرقند)، كلاهما عبارة عن رحلة طويلة تمتلئ بالقصص الجانبية الحية، وتتنقل بسلاسة مستمرة بين جغرافيا المكان، وماضي الأبطال. مثل هذه القطع الأدبية الحية أراها أقرب للحياة الحقيقة، كلاهما ليس عادلة في منحنا أكثر مما نريد أن نعرف في جانب، ومنعنا عما نتلهف لإدراكه في جانب آخر.
                                               *********
(مأمون).. فنان تشكيلي صديق، تعرفت عليه أيام تدربي على الرسم، بأحد الورش الفنية، حتى جاءت فترة الحيرة حول (على أي خامة سوف استقر؟)، هناك عشرات الاختيارات ما بين الألوان المائية والزيتية والحبر والأكاسيد و.. و..
سألت (مأمونًا) النصيحة، لأجده يجيب بحكمة الدهر:
- هذه علامات استفهام لن إجاباتها  لدى أحدًا سواك، ابحث داخلك، وستجد حتمًا.
- كلام منطقي، لكن لتخبرني على الأقل عن مميزات وسلبيات بعضها.
- أوتظن المعلومات المجردة قد تعني شيئًا في هذا الصدد؟  ربما أرى خامة ما بطريقة، فأنت تراها وتسخدمها بطريقة مختلفة تمامًا.
- (بدأت أتمالك نفسي بصعوبة، بينما أتحدث من بين أسناني) حسن، اخبرني باستخدامتها الشائعة، أي معلومة مفيدة تصلح كأرضية للبدء.
أبى (مأمون) إلا أن يظل على نفس إجاباته الضبابية، وأعتقد أنني -وقتها- بذلت جهادًا كبيرًا للنفس، كي لا أشج رأسه.
(مأمون) صديقي حتى الآن، وأحبه غم" أن ما شغفه بمسألة "الشفافية تجاه الإشاراتوالتي لا أراها سوى استفزاز محض.
نفس الشيء بالنسبة لهذه الرواية، أحبها "رغم" النزعة الصوفية، وليس "لأن"، كما لو أن هناك ما هو منفر بالنسبة إليّ أكثر من الدروشة ، فهو محاولة تبريرها أو منحها فلسفة ما، باغتتني هذه النزعة باعتبار أنني كنت أتعامل مع (سلفي) في الرواية السابقة.
لذلك، البطل الحقيقي في هذه الرواية.. نسائها، على غرار الأم القروية البسيطة التي احتملت وصبرت، والزوجة الدارفورية التي قطعت الصحراء.
كلاهما حركته دوافع واضحة، عاطفية نعم، لكنها نوعية عواطف واضحة.. أو بالأحرى تنتمي للعامة، مثلنا جميعًا، لا إلى ترف اعتزال الحياة، والهيم على الوجه وراء إشارات. 
لعلي شعرت أن الكاتب وافقني أيضًا، عندما أضاف جملته الدالة:
- النساء أشجار،  والرجال ريح.
العمل ثري جدًا، فمن الصعب أن أعلق عليه فى سطور، هناك نقاط تومض هنا وهناك طوال الوقت، آه، تمنيت أن تنتهي الرواية عند تلويح الابن باليد لمن رآهم، فلم أر معنى  للتحول الأخير/المناقض لسلوك المجذوب الصديق بعدها، وما تلاها من تقييد  الحبال.
ربما للموقف مغزى لدى الكاتب، إلا أنني لم أصل إليه بصراحة، وإن يظل كل تلك النقاط، مجرد لمسات جانبية، لم تنل من إعجابي واستمتاعي البالغ، على مدار أغلب الـ 440 صفحة.
مثل هذه الرواية، لا يحتاج مؤلفها لأكثر من كتابة أربع أو خمس أعمال في نفس المستوى، فيضمن لنفسه اسمًا باقيًا كصاحب بصمة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة

"