الأحد، 9 أكتوبر، 2016

طرقات على رواية (باب الحجازي)

يُقال إنه باب الكعبة الأصلي.. 
يُقال إنه باب يقود إلى عوالم سُفليّة.. 
يُقال إنه من مخلّفات الفراعنة التي لاتزال تحمل سحرهم.. صدّق ما شئت.. 
لكن ما لا خلاف عليه بين أهل القرية أن باب مقام مولانا (الحجازي) هو بركة القرية وما حولها.
يمكن التعامل مع هذه القرية على أنه = صورة مصغرة من (مصر)، برموز واضحة تستدعي تمثل كل المتناقضات الممكنة، كـ: الغناء والفقر، السلفية والتصوف، اللعثمة الصادقة والطلاقة المزيفة، بيع لحم البشر بمعنييه المجازي والحرفي.
ثار أهل القرية على سلطة الثروة، وبعد نجاحها برحيل الباشا، نجد تضرب المرأة زوجها في الشارع، لأن الباشا قام بإبارة فدادينه خلفه، ففقدت أغلب البيوت العمل واللقمة.
كررت الزوجة في غمرة غضبها: 
 - مشيتوه ليه يا كفرة؟!
جاء المؤمنون لملأ الفراغ، فركب إمام المسجد الموجة الثورة، لينتشر الأتباع في القرية كي يقيموا شرع الله.
مأمور المركز يراقب عن بعد دون تدخل، وكأنما يعاقبوا الناس على ثورتهم، ثم يعود ابن الباشا الذي يحمل للمصادفة اسم (جمال) أيضًا.
(باب الحجازي) رواية من العيار الثقيل، نجحت في معالجة وتشريح مجتمعنا، بشكل أجبرني على احترامها.
لكن.. هل أخبركم بشيء.. لا أكترث  لأي شيء مما سبق، (القرية المعادلة لمصر) تركيبة أجبرتني على احترامها.. لكنني لم أحبها.
قرأت مقولة لـ (شريف ثابت)، عن السأم من الإسقاطات والرموز والعمق، نريد  "حكي" بالدرجة الأولى.
من الاجتهاد أن تعيد رواية ما تأريخ السنوات الأخيرة من خلال الرمز لمصر بقرية أو حي شعبي أو مقهى، لكن المشكلة أن القادم يصير متوقعًا لك بعض الشيء، (لذلك لا تتحمس ذائقتي للأدب التاريخي برمته).
المزية في (إسلام البنا) أنه كان ينجح في خلق مناطق من التشويق طوال الوقت، رغم توقعك الإطار العام الذي ستئول إليه الأمور.
بالإضافة إلى العاملين الآخرين الأهم اللذين حمساني للإكمال، بغض النظر عن مدى مناسبة مبدأ (الاسقاطات الواضحة) لذائقتي؛ الشخصيات، واللغة.
أسلوب القوي للكاتب، من المحال التصديق أن هذا كاتب شاب، فاللغة سهلة ومتمكنة في الوقت ذاته، تكاد تباري أكبر المؤلفين أصحاب الأسلوب العذب ممن أحبهم.
بالنسبة للشخصيات، فهي تنقسم لنوعين:
- (سيد خطاب) رجل الأعمال المتاجر بالمال والبشر على حد سواء، إمام المسجد الذي يساير الموجة، الباشا الإقطاعي، ابن السناري اليساري، الثري الخليجي ذو الميول الشاذة، ولابد لكل قرية بالطبع من عبيط مجذوب، بالإضافة لتكية دراويش ومعلم روحي لو استدعى الموضوع.
- أسرة رفاعي (أبطال العمل الحقيقين)، ما بين الجيل الأول (الأم والأب) المليئين بالكبرياء والأصالة بشكل يمنعهم من الانحناء أمام الفقر، والابن متلعثم اللسان، عظيم العقل، والآخر المتعلم الذي ظل طويلًا يحن إلى حياة المدينة، الخال المغلوب على أمره، بالإضافة إلى.. زينب..
الفئة الأولى جاءت مرضية للقوالب جاهزة التي نحملها تجاه تلك الأنماط،
بحيث تتماهى مع ما نقرأه عنهم في الصحف أو نشاهده في المسلسلات، غير أن قدرات الكاتب الفائقة كلغة وسرد وتسلسل أحداث، غطت تمامًا على هذه النقطة، أو لأقل "شبه محتها تمامًا".
أما الفئة الثانية، فكلها شخصيات حية وحقيقية لأبعد الحدود، إنهم أنا، وأنت، وأقراننا، وجيراننا في القرية أو الحي الشعبي.
فلم يمكنني إلا أن أحببتهم بحق.
كان الباشا وسيطًا في تجارة بيع الأعضاء، واعتاد تسمية ذلك بـ (فعل الخير).
ثم جاء الإمام وسيطًا في (زواج القاصرات)، ليمنح عمله نفس التسمية.
القضيتين بالغتي الاستهلاك، لكن راقني تعليق أحد الشخصيات الذي يلفت النظر للمقاربة المهمة؛ ألا وهي أن والكل يشتركوا في بيع لحمنا، والكل أيضًا يسوقه لنا على أنه "فعل خير".
نقطة أخرى ضئيلة جدًا، هي أن حوار الباشا وابن الرفاعي، أستطرد أكثر من اللازم في ذكر التاريخ، بشكل كاد يكون "مقالًا".
في النهاية، أسمع أحيانًا جملة على غرار "الزمن الجميل" و"جيلنا انحدر بالأدب"، فاعتدت -في هذه الحالة- الرد بذكر أسماء معينة، اطلب من القائل أن يقرأ لها أولًا، بعدها فليتحدث عن جيلنا كما يشاء.
اليوم كسبت قائمتى تلك اسمًا جديدًا.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة

"