الاثنين، 24 أكتوبر، 2016

على فراش فرويد

ليست لديّ مشكلة مع الأقلام النسائية في المطلق، مشكلتي أن أغلبيتهن يتحركن داخل نفس الدائرة المغلقة:
-(مجتمع ذكوري متعفن، أمي لا تفهمني، أبي يخنق حريتي، الحجاب يقتل رغبة شعرى في رؤية الشمس، حبيبي خدعني وجعلني أصعد معه إلى الشقة، كبت ينعكس على جعل السرير مسرحًا محوريًا للأحداث).
المرأة مضهدة فعلًا في مجتمعاتنا، لا يوجد رُبع منصف يستطيع إدعاء العكس.
بالتالي، لا يمكن أن يلام الأدب على معالجة ونقل حالة واقعية، مهما بلغت حدتها، صحيح أنني أتحفظ على هذه المدرسة، لكنها موجودة، وقد تحمل مقومات فنية، لدرجة تجبرني على تقدير المنتج ككل.
كذلك؛ أقدر أن أغلب النساء عمومًا (والكاتبات بينهن بطبيعة الحال) هرستهن نفس المعاناة، لكنني لا أراه مبرر إطلاقًا لتكرار نفس العقدة القصصية/ الحالة/ بنفس المونولجات الداخلية تقريبًا.
قررت البدء بهذه المقدمة الطويلة، لأنني عايشت (على فراش فرويد) حالة مختلفة عن كل ما سبق، مما جعلها تعجبني إلى حد كبير.
صحيح، أن اشتركت في كثير من الخطوط المكررة العريضة التي ذكرتها أعلاه،  لكنني مصر على أنني عايشت حالة مختلفة، وإن ظللت حائرًا في تحديد السبب بالضبط!
ربما هي انسيابية السرد، أو البداية الصادمة عما حدث مع مريم، أو ما مرت به البطلة بطفولتها، أو لعلها التفاصيل الصغيرة، مثل:
- طبيعة عمل البطلة في إجراء بحوث السوق، كانت أول مرة أعرف شيئًُا عن هذه الوظيفة، وأظن أن المؤلفة إما عملت بها قبلًا، أو استعانت بمتخصصين كي تنقل الأجواء بكل ذلك التوسع.
- ذهاب نورا برفقة زملاءها، أو تأخرها المتعمد بعدهم في دخول الأماكن الفخمة، بسبب تهيبها من التواجد وحدها هناك قبلهم،  موقف آخر في النادى، عندما ارتدت نفس الشخصية زيها الجديد، وخرجت به إلى الشمس، ثم قررت العودة مرة أخرى لاسيتبداله بالقديم، لأن هذه الفعلة بالضبط هي ما أرادته، لا أكثر ولا أقل.. التجربة، ورؤية الشمس.
مثل هذه التفاصيل بين السطور، على قدر ما هي تلقائية وبسيطة جدًا، إلا أنها آسرة  لأبعد الحدود.
أعتبر ذلك درسًا في الاعتماد على عبقرية السرد والحوار والتفاصيل، وأن بوسعك تناول أكثر الثيمات اهتراءً، ثم حياكة معالجة متماسكة جدًا منها، مما يجعل القارئ يكن احترامًا مضاعفًا لأدوات الكاتب الذي أمامه.
مما أعجبني أيضًا في هذه الرواية، أن الحوارات الطويلة بين مريض وطبيب، يسهل وقوعها في فخ اللغة التقريرية، أو استعراض المعلومات الطبية.
إلا أن العمل نجح في تلافي ذلك، وتقديم حوار ذكي، بليغ، ذو صلة دون أن أي إطناب فوق ما تحتمله حبكة الرواية.
الرواية تحوي تفاصيل +18، لذلك لا أنصح بها ذوي التحفظات إياها.
وربما لمس (صنع الله إبراهيم) ما أريد قوله بالضبط، عندما قرأت في آخر صفحة تعقيبه على الرواية:
- رواية جريئة لموهبة ناضجة لا تهاب مقارعة كافة المحظورات في سبيل الصدق.
بالكاد أقنعت نفسي أن تصرفات البطلة الأخيرة ليس ذات نظرة عدائية تجاه العادات والتقاليد والحجاب، قدر ما هي موجهة لإفراط المجتمع عندما يستبد، ومن ثم يدفع الكثيرين إلى التفريط.
ومهما اختلفنا حول حدة التفاصيل، لا نستطيع إنكار أن هذا النمط موجود بكثرة في المجتمع، وأعتبره ذكاء من الكاتبة، لأنها صنعت تركيبة أكاد أثق أنها ستتماس مع حياة شريحة ممن سيقرأن العمل، مما يجعلهن يتوفقن عند موقف أو اثنين على الأقل، ليقلن:
- نعم، هذا أنا بالضبط.

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة

"