الاثنين، 26 سبتمبر، 2016

من رواية (الأمسية المظلمة) الحلقة 6:


استوقفتها:- ثانية لو سمحت.
فتح درجه، وأخرج منه قارورة زجاجية بها سائل مصفر، ورغمًا عنه تحسسها بحنان للحظات، لما فجرت داخله من ذكريات قريبة.
أخيرًا أعطاها إياها، وتمنى -بصدق- لو تدرك قيمة عطيّته:
- خذي، احتفظي بها في مكان بعيد عن متناول زوجك، فستحتاجينها، وستحميك.
تناولت القارورة مترددة، بينما عيناي تسرح في السائل المصفر داخلها.
- أعلم جيدًا انطباعك عني، إنك ببساطة تعتبريني مخبولًا، وقررت أن تجاريني على قدر عقلي، ثم تلقي القاروة في أول سلة قمامة بعد خروجك.عجزت داليا عن تدارك التعجب الذي استوطن ملامحها، وفضح –بالتأكيد- أن هذا هو القرار الذي انتويه فعلًا.
نصحها ألا تفعل، وإلا ستخسر كثيرًا بهذه الخطوة.
-انفضي عنك التعجل يا مدام داليا، فكما قلت لك؛ خلال فترة وجيزة، ستعرفين ما عليك فعله من تلقاء نفسك، وقتها اتصلي بي، هذا هو الكارت الذي يحمل كل أرقامي، وستجدينني بجوارك.
                                                *******
عادت داليا مبلبلة الفكر من عند ذاك الـ مصطفى، كم أجاد تقمص دور (العليم ببواطن الأمور)، في حين لم يقدم معلومة مفيدة واحدة!
أقصى ما حصدته من زيارته؛ هو حفنة الكلام الضبابي عن :
"القدر سيسمح لكِ أن تشهدي تغير تاريخ السحر، وإعادة كتابته على يدك أنت".
"كل ما عليك: هو أن تقرأي زوجك".
"خلال فترة وجيزة، ستعرفين ما عليك فعله من تلقاء نفسك".
"خذي هذه، احتفظي بها في مكان بعيد عن متناول زوجك، فستحتاجينها، وستحميك."
تذكرت فجأة أمر القارورة!
إنها لا تزال في حقيبة يدها، لم تجرؤ على التخلص منها بعد أن خمن رجل الخزعبلات نيتها هذه.
نفذت داليا نصيحته، وحفظتها بعيدًا في ركن منسي، ونسيت معها كل شيء عنه وعن زيارتها له.
                                              
                                              *******
عادت حياتها إلى مجراها الطبيعي.
و- كالعادة- تركت نفسها للتيار، يأخذها حيثما يشاء.
ففوجئت به يُعيدها إلى شاطئ كلمات د.مصطفى، حيث قدر أروع مما حلمت يومًا.
بدأ كل شيء بآهة ألم قادمة من الحمام، حملت صوت زوجها!
هرعت إلى هناك وخيالها يسرف في تصوراته، كل السيناريوهات والاحتمالات واردة عندما تفلت صيحة من ممزق أجساد.
كلمة "ممزق أجساد" نفسها تثير القشعريرة، وتتناقض مع كونه رومانسي وحنون معها، فستشير إلى من الآن فصاعدًا بكلمة "ساحر".
إنها تناسبه من الناحيتين؛ المجازية والحرفية.
أطلت بتهيب من باب الحمام المفتوح، متأهبةً للأسوأ.
ثم تنفست الصعداء، واضح أنها أسرفت في التخيلات فعلًا.
إذ وجدته أمام المرآة، خده الأيسر غارق في رغاوي كريم الحلاقة، بينما الأيمن نصف جاف، تنحدر منه نقطة دم، لوح الساحر بماكينة الحلاقة باسمًا :
- جرحت نفسي، لا تقلقي.
-أوه، يا طفلي الصغير، بدوني تعجز عن الاعتناء بنفسك لحظة .
اقتربت بخطوات حثيثة، ومسحت عنه نقطة الدم بالمنشفة، ثم مررت على بقية ذقنه بحرص، كم تحار حقًا في مشاعرها المتناقضة تجاهه!
هي تعشقه، وفي نفس الوقت تخافه!
متيّمة بقوته الجبارة، وفي نفس الوقت، تبغض شعورها بالضآلة أمام هذه القوة!
لذلك، أغرمت برؤيته في هذه اللحظة العادية، مجرد رجل أخرق يجرح نفسه أثناء الحلاقة.
التقطت حد الموسي من يده، وهمست:
- سأساعدك .
لثانيتين؛ مانعت يده الممسكة بشفرة الحلاقة، ثم زال تصلبها وهي تتخلي لها عنها.
مررت الماكينة بحذر على ذقنه، وهي تدهس الرغاوي البيضاء في طريقها، ثم غابت عن الوجود وهي تسر في أذنه باعترافها الأبدي:
- أحبك .
وجدته يتأملها عبر المرآة أمامه، وأجاب بوجه مشرق أنه غارق في هواها حتى أذنيه، ثم أضاف:
-قلت لك قبلًا: أنني بدونك وحش بائس.
أكملت حلاقة خده الأيمن، فالأيسر، ثم طلبت منه أن يرفع ذقنه إلى الأعلى.
و...
-ما هذا على عنقك؟
تحسس الساحر رقبته، ودقق بها عبر المرآة، فلم يجد بها ما يريب:
- ماذا هناك؟ إنها نفس عنقي كما أعرفها منذ 330 سنة!

(يتبع)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة

"