السبت، 13 أغسطس، 2016

الأديان الثلاثة بين سطور (اللوح الأزرق)

-"تحمل تجاهي كل هذه الشكوك و على الرغم من ذلك قررت مكاشفتي بحقيقة-
الكتاب، لماذا؟"
-"لأن منح الثقة والاستسلام للآخر و التخلي عن كل الحواجز و الأسوار هي-
أصدق طريقة لنقول للآخر إننا نحبه.
“ 


ما بين الراهب (فارغاس).. و(مانويلا)..

 ******

جاءت اللحظة التي خشيتها كثيرًا، وانتهيت -بكل أسف-  الـ 566 صفحة.
ليست أول مرة أقرأ لجيبرت سينويه، بل تعارفنا قبلًا  من خلال رواية (المصرية)، وأعجبتني لأبعد الحدود، لكن بمجرد إنهائي لهذه الرواية، أدركت أنني كنت مخطئًا بصدد نقطة "أبعد الحدود" تلك، لأن (اللوح الأزرق) أثبتت بأن سقف الكاتب ادخر ما هو أعلى وأعلى.



الشيخ (ابن سراج)، والراهب (رافائيل فارغاس)، والحبر (صمويل عزرا).
ثلاثة من أديان مختلفة يبحثون عن كتاب سماوي مفقود!
فيما أذكر، لعلها أول مرة أحب بداية رواية، لدرجة التهرب منها، فأنحيها جانبًا وأتجه إلى روايات أخرى، ثم عودة، فهروب ثانٍ.. إلخ.
أردت -بأقصى حدود الإمكان- أن أطيل الأمد الذي يظل فيه الكتاب مفتوحًا في حياتي.
وفي نفس الوقت، تراودني كوابيس جمة كلما حاولت تخيل الجهد المبذول فى الإعداد للرواية!
يكفي اضطراره إلى حبك ثمانية ألغاز (أو قصور كما أسماها) تمثل الطريق إلى الكتاب، وفي كل لغز يتفاعل الأبطال أصحاب الثقافة الموسوعية في دياناتهم، أي ألزم الكاتب نفسه بتحويل الكتاب إلى مرجع لاهوتي بالغ الدقة.
أضف إلى ذلك، إتقانه لوصف الحقبة التاريخية التي تدور فيها الرواية، خصوصًا أننا نتحدث ها هنا عن آخر زمن العرب في الأندلس.. من جغرافيا، وعمارة، وسياسة.. إلخ.
كل ذلك أوصلني إلى إجابة سؤال قديم، بطالما أرقني:
(دان بروان).. (بول سوسمان).. (منذر قباني).. و.. لماذا هؤلاء فقط؟ أو -لأصحح- لماذا هؤلاء فقط من أعرف لهم مغامرات من النوعية إياها؟
تلك التي تعد رحلة بالغ الدقة في الجغرافيا والتاريخ، دون أن يتعارض ذلك مع التشويق والحبكة أأ... أريد القول إطلاق أوصاف من نوعية (التشويق والحبكة الرائعين) أو (بالغي الامتاع)، لكنني أجدهم قاصرين جدًا أمام ما نتحدث عنه!
 الإجابة:
-كم عدد المؤلفين الذين يمكنهم تحمل ذلك؟


"وحده الفراغ لا يوصف..
وحده ما غير موجود.. لا يتغير".


البقعة المتعمة الوحيدة - بالنسبة لي- في (اللوح الأزرق).. النهاية!
لا أريد حرق أي تفاصيل، لكنها اضطرت لاكمال خط التسامح على استقامته، مما يأتي بنهاية غلب عليها الموائمات.
لكن هذا لم ينل من روعة الرواية كثيرًا، مثلًا.. لو أزلت اسم المؤلف من على الغلاف، لن تستطيع أن تخمن ديانته أبدًا، لأنه تناول الثلاثة أبطال بقدر مستاوي من الـ.. الـ "أنسنة".
لم يخلو الأمر من خفة ظل أحيانًا، وفي أحيان أخرى؛ انتقادات متبادلة للآخر سواء في اللاهوت أو التشريع.
لكن بالتوغل أكثر في الرحلة، تقاربت الأرواح مما يعني تراجعًا في معدل الانتقاد، أو على الأقل، يقولها كل منهم بينما يتحسس كلماته كي لا يضايق رفيقه.
 الرواية -أيضًا- تلفت النظر في نقطة أقتنع بها جدًا، وهي أننا لا نسكن دوائر جامدة، بل هي فى تقاطع وتباعد مستمر. 
رأينا (عزرا) و(ابن سراج) ينظران باستخفاف إلى (فرجاس) في البداية، من يكون هذا الشاب كي يصحبهما، وهو الذي يصغرهما علمًا وسنًا بكثير!
وفي كل جمعة، يتذمر (ابن سراج) و(فرجاس) لأن رفيقهم اليهودي يوقف الرحلة عملًا بشريعة السبت.
وفي مواقف أخرى، تجد الراهب والحبر يقفان في نفس الخندق، ويكون المختلف هو (ابن سراج).
نوهت أعلاه أن (اللوح الأزرق) ليس لقائي الأول مع جيبلبرت سينويه، لكن في هذه المرة خرجت مبهورًا أكثر بالمؤلف، لدرجة الانقياد وراء فضول البحث عن معلومات وأخبار حوله.
روائي وعازف فرنسي.. (كان لابد أن يكون ذو هوى فني).
من مواليد القاهرة، ولم يغادرها إلا في سن التاسعة عشرة، (لم أتعجب من ذلك، مع انحيازه الأميل لمصر في رواية تتناول حملة بلاده الأصلية ضدها).
الذي أدهشنى ويدهشني فعلًا، كلما أتذكر أنه كاتب معاصر لا يزال على قيد الحياة!
دقة ولغة رواياته التاريخية تجعلك تشعر أنه ابن الحقب التي يتحدث عنها، لابد أنه عاصرها، وليس مجرد قارئ عنها فحسب.
شكرًا صديقي "جيلبرت"، فقد منحتني إجابة جديدة، إذا ما سألني أحدهم عن رواية بالغة التميز أرشحها له.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة

"