السبت، 16 أبريل، 2016

داخل دائرة الـ (ونسة): مهرجان/ حلم انتظرناه فى أسوان طويلًا




أذكر الزمان والمكان جيدًا: 
27 أكتوبر 2014م/ فندق هلينين- أسوان.
المطلوب: مخطط لمشروع ثقافى، بفكرة على أدنى من الابتكار.
الزمن المتاح: ساعة إلا ربع.
خرجنا من القاعة، إلى أرائك الردهة المطلة على النيل، ثم بدأنا عصفًا ذهنيًا.
خطرت لى وقتها فكرة الـ"ونسة"، ولم أدرى أن الفكرة ستنفذ بعد عامين، ولغرابة القدر، بدأ على مرمى حجر من المكان الذى بدأ منه كل شئ، فحديقة (مدكور) على مسافة ليست بالبعيدة أبدًا من الفندق.
تحاول الونسة استعادة أجواء السمر على ضوء القمر، مما يوفر مُتنفس للمواهب الشابة الأسوانية، يتم من خلاله تقديم الفنون التراثية بثوب معاصر، واخترنا انطلاق المشروع بما يوافق ويتشابك مع احتفالات يوم اليتيم: الاثنين 4 أبريل 2016.
يوم الجمعة السابق للموعد:
الزكام/ الرشح/ احتقان الزور، كلها أشياء اعتدت الصمود أمامها دون تناول أدوية حتى، هذه المرة أضيف إليها ضيف جديد ثقيل، الحمى.
أدركت أننا بحاجة إلى المرض، أقله كى يذكرنا بكم ما نحن عليه من غرور أجوف.
أدركت ذلك جيدًا عندما تمسكت بالمكابرة حتى آخر نفس، ثم أدركت أننى أضعف من المواصلة، ببساطة لا أستطيع، فاضطررت -لأول مرة فى حياتى المهنية- أن أرفع السماعة، وأخبرهم فى العمل أننى سأتغيب عن نوبتجيتى الأسبوعية لظروف مرضية.
اليوم هو الجمعة، فى حين نوبتجيتى موعدها الثلاثاء، فما بالكم بأمسية الونسة مساء الاثنين.
قال لى رئيسى المباشر أننى سأتحسن فى الأغلب، ولا يعتقد أن الحمى ستسمر كل هذه الفترة.
أجبته:
- أتمنى.
يومىّ الجمعة والسبت، كنت أستيقظ لأنام ثانية، صار الجلوس على الحاسب عبء عسير، وأغلقت الهاتف لأن مجرد النطق صار مهمة أصعب.
عندما جاء الاثنين، تحسنت بما سمح لى مكالمة المنسقة الإدارية للمشروع، فطمأنتنى أن الحلم يسير بثبات نحو التحقق.
- ألتقطت صور من أجلك خصيصًا، وسأرسلها لك عبر الفيس الآن.
سألتها إذا كانت الأجواء على ما يرام، فأخبرتنى أن كل شئ واعد وحماسى جدًا، ليتنى كنت موجود.
- أتعلمين؟ كلامك فتح شهيتى، سأحاول القدوم.
المسافة بين قريتى إلى مدينة أسوان، حوالى ساعة والثلث، لولا أننى فى ظرف عشر دقائق، كنت أقف أمام أمنية عبد الله.
صدق رئيسى  فى توقعه، وتحسنت فى ظرف يومان، فكنت أكلم الزميلة وأنا على باب الحديقة أصلًا.
أذكر لها إخبارها لى سابقًا: أن العيون الواسعة تلمع عند الانفعال، فيبدو أصحابها مخيفين قليلًا.
كانت تتحدث عن نفسها، بينما لم أصدقها كأقصى ما يكون إلا فى تلك اللحظة فقط.
لم أعرف هل هذا الذى أراه، صدمة، أم دهشة، أم غضب!
بالإضافة إلى أسئلة حول إذا كنت أنا حقًا، وكيف.
- كل ما هنالك؛ أنه بقدر ما ينجح أحدهم فى إثارة حماسى، بقدر ما أصل أسرع.
عرفتنى أمنية على شخص مهم، تأخر التقائى به كثيرًا.
من يسأل عن وضع المرأة فى الصعيد، لعله لاحظ أن من يتولى الشئون الإدارية لونسة هو (أمنية عبد الله)، أما المنسق العام للمشروع بكامله فهو هذه السيدة.. (أريج يحيى).
كلاهما ثنائى (الواجهة) فى فرع أسوان من فريق (ماذا تقرأ هذه الأيام)، الذى تولى التنظيم بالكامل. 
تمتلك أريج كم وافر من الدبلوماسية التى نفتقدها أنا وأمنية، لذلك تحمل عنا عناء تلك المهمة الخطرة المسماة بـ "التواصل الاجتماعى".
وأنا شخصيًا سعيد بالونسة، لأنها تمثل نموذج مثالى لطالما حلمت به، وسأحاول الالتزام به ما حييت، فكما تلاحظون، كل فرد من الفريق التقيته اليوم، أقابله للمرة الأولى، باستثناء أمنية، اللقاء الثانى.
 بخلاف ذلك، لا أحد يعرف اسمى أو شكلى، بالتالى يستحيل أن أفسد دائرة العمل بلحظة انفعال كالعادة، لأننى على حافتها أساسًَا، هذا النموذج يتيح لى تقديمى أفضل ما لدى للخارج، والاحتفاظ بالأسوأ لنفسى، ماذا يوجد أروع من ذلك، (عش مع الآخرين.. ومت وحيدًا) كما يقول (جاك) فى مسلسل (Lost).

كل تواصلى مع المجموعة من خلال أمنية، وفكرت أن أكمل البقاء على الحافة بألا أحضر الحفل أصلًا، لكن حمدًا لله أننى لم أفعل.
تسببت الونسة فى اكتشافى أننى لست بهذا السوء اجتماعيًا، وانغلاقى يتسبب فى فقدانى لحظات جميلة، والتعرف بأشخاص أجمل.
القليل من الانفتاح لن يضر، القليل فحسب.
 على سبيل المثال، هناك شخصية مهذبة ذكية توقفت عندها كثيرًا:
-(صلاح بخيت)، أحد الفريق المنظم، والذى تصدى لاستقبال الناس عند البوابة الخارجية، يناول الأطفال بالونة، وعائلاتهم ابتسامة.
أشفقت عليه  من هذه المهمة المملة، بمكان نائى ممل، فالبوابة تبعد عن ونس الحفل بحوالى 200 متر.
ليس هذا فقط ما أدهشنى فى صابر، فبالإضافة لوقاره وجديته، لديه قدرة رائعة على الملاحظة، وامتلك أفكار لتحسين الونسة، وكأنما يعرفها من قبل تخطر فى بالى أساسًا.
 - ومع بنات الصعيد مرة أخرى، توجد (زينب).
مسئولة مؤسسة (خطوة)، والتى كنا بصدد تجميد المشروع قبل التعرف بها، فأنقذتنا بحلول لكل التفاصيل الإدارية التى عرقلتنا.
يليها المواهب؛ (تهامى حافظ)، الذى علمت أنه يكتب روايات أيضًا.
المنشد الدينى (مشارى)، وفريق (فلوكة فن).
ثم (أيوب) والذى راقنى ما قدمه وفرقته من مقاطع (الليلة الكبيرة) على الجيتار، وتفاعل معها الأطفال قبل الكبار.
نحن فى 2016م، وكلمات (صلاح جاهين) تثبت أنها قادر على الامتاع أيًا كانت الزمن والمعالجة اللحنية. 
قالت لى أمنية سابقًا، أن أغلبية المشاركين من المبدعين الصاعدين، فوصلهم بالناس هو الهدف الأساسى من الونسة من ناحية، كما أنه لا ميزانية لدينا تسمح بتطعيم الحفل بمحترفين.
الاستثناء الوحيد كان (تونات).
 (تونات باند) فريق أسوانى صاعد، يقدمون حفلات فى ساقية الصاوى، وغيرها، تحمس أحد أعضاءه منذ البداية، قائلًا:
- عن نفسى أنا معكم، أما بقية الفريق فعددهم كبير ومتفرقين حاليًا ما بين القاهرة وأسوان، لذلك سأحاول أن أجمع منهم من هو موجود، وقد يتحمس.
من ناحيتى أحب شباب الفرق الغنائية المستقلة، لكن هذه أول مرة أرى أحدهم فى الواقع.
بعضهم حليق الشعر تمامًا، والآخر طويله ويقعصه إلى الخلف.
هناك من تحدث يحمل جدعنة ولاد البلد، وتبادلنا حديق ودى قصير، وبعضهم من تشك أنه سمعك أصلًا. 
أما عما يقدمونه من فن، فهو كما وصفته لى أمنية سابقًا بالضبط:
- موسيقى معاصرة موصولة بالروح الأسوانية.
-شئ قريب من (بلاك تيما
- نعم، ولكن لا تقلل هذا التشبيه لأحدهم، لأنه يضايقهم.
سألت نفسى: 
- ما الفارق بين (تونات) وفريق (أيوب).
تونات تبدو أقوى وأكثر وهجًا واحترافية، قبل الحفل استغرقوا نصف ساعة اختبارات لنظام الصوت، ثم أنهم أكثر تنوع فى الآلات الموسيقية.
بقليل من التأمل ملت لأن المسألة  للكلمة التى قلتها فى البداية.. (الاحترافية).
  أى أنها مسألة وقت وتمرس فحسب، ويلتئم هذا الفارق من تلقاء نفسه.   
اتضحت هذه النقطة أكثر، عندما لم يتضايق (تونات) من أغانيهم لم تلق تفاعلًا كبيرًا، مع أنها الأكثر اتقانًا كعمل جماعى متناسق، فالجمهور معظمه الأطفال، بينما أغلب أغانيهم موجهة لشريحة أكبر كثيرًا.
أنا نفسى شعرت بالحرج عنهم، وأمنية شاركتنى نفس الاحساس، وقالت لى أنها اعتذرت لهم، فأخبرها -ببساطة- أنه عملهم، ومعتادون على كل أنواع ردود الفعل حول ما يقدمونه، وأعلنوا أنهم مستمرين فى التضامن مع الونسة على أى حال.
هذه هى الاحترافية التى كنت أقصدها.
توجد فقرات أخرى لم يتسن لى مشاهدتها أو التعرف بأصحابها، مثل ثلاثى بنوتات
(كارتون) للارتجال الكوميدى : ميرنا، مريم، هدى.
تعجبت أن هذا الجزء هو أكثر ما راق لشقيقتى الصغرى التى أحضرتها معى، لكم الله يا (تونات)!
 يوجد أيضًا آنسات "الرسم"، منذ علمت بوجود رسم لوجوه الأطفال فى الحفل، وأنا أحلم بهذا الجزء.
الأطفال ليس أفضل منى فى شئ، فتوجهت لهن مباشرة.
سألتهن -مرتابًا- إذا كن يجيدات عملهن، فكل ما أملكه هو وجه واحد فقط.
أخبرونى أنهن يجدن الرسم على القماش أو الورق، أما الوجوه فتطوعن لارتجال أشياء بسيطة بدائية.
رددت -وكأننى لم أسمعهن- أريد وجه الجوكر، هذا سيفيد إذا تضايقت لموقف عارض، سأضمن أن شفتاى ملونة بابتسامة، ليس جوكر جاك نيكلسون، لأن وجه جاك ممتلئ عنى، أريد جوكر ليث هيدجر الـ..
كررت إحداهن -بحرج- ما قالته عن الرسوم البدائية.
- لا، جوكر ليتو يبدو رقيعًا، أفضل لو أن...  

                                            **********
من حين لآخر، يتنازع الونسة طريقان.
هناك من يتشبث بالتراث شكلًا وموضوعًا،  بدعوى أن هذا ما يمنحنا شخصية مختلفة، وإلا فلن يختلف ما نقدمه عن تكرار ممسوخ من تجارب مشابهة كثيرة، وسيكون علينا حينها أن نغير وصف (السامر) أو (ونسة)، ونطلق عليها أى شئ آخر.
واتجاه أخر يرى أننا ندعى محاولة فتح متنفس للشباب، فكيف يتسق هذا مع إقصائنا شريحة كبيرة من هواة وجمهور  (الراب)، (الهيب هوب)، إلخ.
كنت من المستميتين فى الدفع نحو الاتجاه الأول، وأخالنى نجحت فى أقناعهم، حتى جاءت لحظة أخبرونى ببرنامج اليوم.
1- كلمة افتتاحية.
2- إنشاد دينى لمشارى.
3-آسفون جدًا يا ياسين، نعتذر طبيعة المناسبة اضطرتنا للتنويع، كما أن..
اختلطت على الأمر، لدرجة أننى ظننت (آسفين يا ياسين) ما هو إلا اسم فقرة.
ثم اتضح لى أن ما سبق، تمهيد لأن يخبرونى بأن رقم 3 يتضمن فاصل من (الهيب هوب).
للعلم، قبل عامين من الاستقرار على "ونسة" كعنوان، أول اسم خطر فى بالى -حينها- (سوق عكاظ).
تخيل بأن تقف أمام أحد له ذائقة الجاهلية مثلى، ثم تقول له (هيب هوب). 
 أقنعونى أن أغنيتهم تتناول معانى عن الحياة والفرح، فابتلعت المسألة، لا بأس بنسبة من الخروج قليلًا عن الخط العام، طالما لن تزيد عن 20% بأى حال.
رأيت الشابان يرتقيان المسرح، أحدهم يطيل شعره، ويدفنه داخل (آيس كاب) طويل، والآخر يرتدى أساور غريبة.
بعد دقيقتان من غنائهم توجهت إلى منسق الموسيقى بشك، وسألته، فرد علىّ:
- كلا، ها هم يغنون أمامك بالفعل.   
الإضافات المعدنية للصوت، جعلتنى أرتاب، ومع أننى أرى فمهم يتحرك فعلًا، لا زلت غير مستريح.
تجاهلتهم وتبادلت بعض الحديث مع تهامى قليلًا،  ولم أنتبه إلى أن أحدهم قرر "التجويد" والخروج عن الأغانى المتفق عليها.
أفقت -فقط- عندما رأيتهم ينزلون عن المسرح، ويصيحون فى مرح مع الأطفال:
- أنا رايح على المريخ، وعامل دماغ صواريخ.
- مريخ؟ ودماغ؟ مع أطفال دون الـ 15 عامًا؟
هرولت أبحث عن أحد المنظمين يوقف هذه الكارثة.

                                            ************
بمنتهى السعادة، وقفت التقط صورة بجوار الملصق الكبير الذى حمل الحروف الأربعة الضخمة.
أول مرة أشترك فى فاعلية لها ملصق بحجم الجدار.
عرفت من أمنية أن طباعة الملصق تأخرت حتى الثانية من صباح نفس اليوم.
والسبب: الممول.
لو سألت أى من العاملين من المجال: من الذى قد تكرهه بأكثر من إسرائيل نفسها؟
سيجيبك بلا تردد أنهم أصحاب رأس المال،  رجال الأعمال، إلخ.
تم الاتفاق مع أحدهم على وضع إعلانات له كراعى، مقابل دفع 1500 ج.
ظل يماطل حتى منتصف ليل نفس اليوم، ولم نكن متسبثين بماله، بقدر ما نريد معرفة موقف واضح، أأنت معنا أم لا؟
وبناء عليه نتمكن من طباعة إضافة أو حذف الملصق الرئيسى للحفل،
فى النهاية دفع 500 فقط، وقام الفريق بتحمل الباقى من جيبه.
يقول أحد المخرجين (لا أذكر اسمه للأسف):
- اللعنة على أولئك المنتجين الذين يقفون حراسًا على قدور المال، أكرههم.. لولا أننى مضطر لأن أهادنهم.
ومن حسن حظى شخصيًا، أننى لا أتحلى بالصدر الذى يتسع لأى نوع من المهادنة،  فتولت المنسق العام هذا الدور بصبر أحسدها عليه.
وللحق، هذه ليست الميزة التى اكتشفتها، هناك فنان -اعترف أنه موهوب كأقصى ما يكون- طلب أجر 500ج.
حقه -بالطبعكما حقنا أن نرفض، المفارقة أنه كان معنا منذ اللحظات الأولى، ويعرف كيف الدنيا تسير بجهود ذاتية متعثرة أصلًا، وكيف أن 150ج مثلًا قد تكون فاصلة فى تدبير أشياء كثيرة، وتتضاعف المفارقة فى التوقيت الذى اختاره قبل الحفل بيومين.
هنا انتبهت لمزية أن فتاة هى من كانت تتولى التواصل مع الفنانين، لو كان شاب،   لما تمالك نفسه من صيحة اعتراض + 18
 ***********
ثم قابلتها.
صاحبة أحد أجمل عيون يمكن أراها فى حياتى.
استجمعت شجاعتى، وتقدمت نحوها مباشرة، ثم سألت:
- اسمك؟
- مريم.
- أتتزوجينى؟
خفق قلبى مع الخجل الساحر الذى أطرقت به رأسها، لاحقًا، وجدت شباب جمعية (رسالة) وراء المسرح يصنعون (غزل بنات)،  سكر ملون يوضع فى جهاز دوار ساخن، فيذيب الحبيبات فى صورة خيوط، ليقوموا بإلتقاطها وتجميعها حول عصى صغيرة.
أخدت منهم بعضها، لأساعدهم بتوزيعها على الأطفال.
وبالطبع، خصصت أول واحد إليها، تناولتها منى بنفس الخجل الساحر، لأجل هذه العيون على استعداد أن أنتظر خمسة عشر عامًا حتى تكبرى.
شعرت يد تدغدغنى، فالتفت، كان أحدهم يرتدى دمية (مينى)، ممن يملأون المكان.
أشرت بيدى:
- عذرًا، فميكى صديقى، كما أننى -وأشرت إليها- مرتبط فعلًا.  

                                                 *********

فى حفلات التوقيع التى ننظمها كمؤلفين شباب، ستعتبر واسع الصيت لو حضر 10 أو 20 فرد مثلًا، أما من أراهم أمام عينى الآن، فيبلغون نحو 40 فردًا، والصادم أن هؤلاء ما بين فريق (ماذا تقرأ هذه الأيام)، وشباب مؤسسات (رسالة) و(خطوة)، وفنانين يتدربوا على فقراتهم التى سيأدونها فى الحفل.
أى أنهم جميعًا من المنظمين بشكل أو آخر، فكيف سيكون الأمر عندما يأتى "الجمهور" .
ثم؛ كيف يعقل أن هذا كله كان مجرد فكرة؟!
بضعة فولتات كهريية تراقصت ذات يوم داخل الفص الجبهى لمخى البائس، وبقدرة قادر وبقدرة قادر تنتقل الرقصة إلى ساحة الواقع، فأراها الآن صارت واقع مادى ملموس قابل للرصد والقياس!
التفت إلى (أمنية) و(أريج) تحديدًا عن مبعدة، كل منهما كان يتحرك هنا وهناك، يراجع قائمة متطلبات، أو يطلب نقل شئ ما من مكان لآخر.
صرت أسميهما من مدة طويلة (ماما نويل)، فبدونهما لانتهت الرقصة وماتت داخل عقلى قبل أن تولد.
كلنا نحلم، لكن فى الطريق إلى التنفيذ تصطدم بعشرات التفاصيل المجهدة، هناك محاولة تجاوز مسألة التصاريح الأمنية، والتفاوض للحصول على سعر مناسب لأنظمة الصوت، الملصقات، ثم الشجار مع مؤسسة حاولت النصب على الفريق بطرق ملتوية.
كنت أظن طوال عمرى فى مسألة: من المخيف ألا تتحقق أحلامك.
اضطررت إلى تحديث معلوماتى بدءً من تلك اللحظة، فمن المخيف كذلك لو تحققت.
استأذنت فى العودة فى الثلث الأخير من الحفل، فالمواصلات إلى تتعذر تمامًا فيما بعد ذلك، أثناء جلوسى فى الميكروباص، تلاشى كل أثر لحقن السيفوتاكس الذين أعطيتهما لنفسى فى الفترة الماضية، وأفقت على هذه الحقيقة الجديدة.
ثم لاحت منى التفاتة إلى النيل المحازى لذاك الجزء من الطريق السريع، فوجدت باخرة سياحية من التى نراهم طوال الوقت، لولا أننى ميزت لفورى ذلك الرمز أعلاها، حرف S كبير متشابك، يا لها من مصادفة أن أشاهده هذا اليوم تحديدًا.
هى باخرة (السونستا)، أعرفها جيدًا، بكل تفاصيلها: السطح، الأرائك حول حمام السباحة، واحم.. الديسكو فى الطابق الأول، قصة طويلة ليس وقتها الآن.
مر أمام عينى كل خططى المؤجلة بدعوى الصعوبة الشديدة، وكيف كانت الونسة من ضمنهم يومًا، ومع ذلك تحققت.
فلم لا؟
تشبست عيناى بالـ S المضئ المبتعد، وكررت لنفسى بخفوت:
-نعم، بصدق، لم لا؟

                                            ***********

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة

"