الخميس، 19 نوفمبر، 2015

أسرار هيكل بول سوسمان

(آخر أسرار الهيكل).
طويت آخر صفحات تلك الرواية منذ شهرين، ثم حاولت أن أكتب شيئًا عن روعة هذا عالم الذى خرجت منه توًا.
وللأسف، لم أنجح.
هناك تحف جميلة، تمتلك هالة خاصة، تجعلها خارج نطاق الوصف.
الخيوط متعددة ومعقدة، من جريمة قتل فى الأقصر، يحقق فيها الضابط خليفة، وبالتوازى؛ نظيره الإسرائيلى أرييه بن روى فى تل أبيب، مستمر فى بحثه المحموم عن (الملثم) قاتل خطيبته، وعلى مرمى حجر منه فى القدس؛ الفلسطينية ليلى المدنى، فى سجالاتها مع جماعة (أنصار داوود) المتطرفة. 
كما تشمل خريطة الرواية ألمانيا النازية وملف تنقيباتهم الأثرية، مما يعرج بنا إلى ملفات قديمة كالحملات الصليبية والكاثار وكنيسة القيامة.
وكل ما سبق يبدأ وينتهى بأن يصب فى آخر أسرار الهيكل: المينورا المقدسة.
منذ فترة طويلة لم أقرأ رواية بهذا التنقل الشيق، بعزف على أوتار جغرافية مختلفة، ما بين الأقصر، القدس، تل أبيب، ألمانيا، فرنسا.
كل الأشخاص مرسومة بإنسانية عالية، كلهم بشر، لا يوجد لدى سوسمان شياطون ولدوا كذلك، ولا يوجد ملائكة منزهين عن الذلل والصراع النفسى بين المتناقضات.
أول تعارفى بعالم سوسمان عبرته من بوابة (جيش قمبيز المفقود)، وهنا فرضت القاعدة الشهيرة نفسها:
-لا يوجد أحد يقرأ لسوسمان، وإلا ولابد أن تستدعى مخيلته اسم براون كطرف مقارنة،
سابقًا، تصورت لفترة طويلة أن الأشهر دان بروان تفرد بلون لا يستطيع أحد مناطحته فيه، قرائتى بالمصادفة لجيش قمبيز زلزلت اعتقادى السابق كثيرًا، هناك رجل بول اسمه سوسمان، يقدم نفس الجرعة من المغامرات المعاصرة بالغة التشويق، على خلفية تاريخية ثرية، خصوصًا فى النقطة الأخيرة، هذا رجل مثل بروان يصف كل الأماكن التى يتناولها بأدق التفاصيل، وكأنما زارها بالفعل، ويتعامل مع الأحداث السحيقة وكأنما وقعت أمامه ورآها رؤى العين.
ومن العوامل المشتركة الأخرى:
- الأمريكى بروان يستعين بفريق بحث، نفس الشئ يفعله البريطانى سوسمان، وإن يتفوق الأخير بأنه قادم من أروقة المشتغلين بالآثار بالفعل.
- نقطة أخرى مشتركة لاحظتها فى حبكة كلاهما، وهى أنه فى الجزء الأخير من الرواية دائمًا، يدخرا للقارئ مفاجأة قاسية، حيث يتضح أن أحد الشخصيات الخيرة، هى شريك أساسى فى كل الشرور منذ البداية.
التشابه الشديد بين العالمين، مثّل أمرًا محمودًا بالنسبة لى، فنحن نتحدث عن لون أدبى بالغ التشويق، وبالكاد ينتظر المرء منا رواية يصدرها بروان كل عدة أعوام، فمن الجميل أن نتكتشف كاتب راحل، خلف لنا رصيد ممتع من نفس اللون الأدبى.
نعم، راحل، ولأشد ما ألمنى عندما عرفت بأن هذا الرجل العاشق لمصر، والذى كرس لها أغلب أعماله، مات وقلمه معه فى مايو 2012م.
المتعة الحاضرة فى قلم البريطانى، أجبرتنى أن أبحث عن أعمال أخرى له بعد جيش قمبيز، حتى حدث أحد أفضل الأشياء فى 2015 عندما وقع فى يدى ملحمته (آخر أسرار الهيكل).
فى الغرب عمومًا، عندما تكسر رواية كل التوقعات، وتصنع اسمًا لمؤلفها، يظل اسم هذه الرواية حاضرًا فى أغلفة الأعمال التالية.
فوجدت أعلى (جيش قمبيز المفقود) عبارة (بول سوسمان، مؤلف آخر أسرار الهيكل).
استنجت أن الأخيرة تعد أفضل أعماله، لكن لم أتوقع أن هذا المستوى!
أقلت سابقًا؛ أن جيش قمبيز ذكرتنى بدان بروان، لولا أن ظلت هناك فجوة تفوق لصالح بروان، على الأقل كحبة وثراء معلوماتى؟ 
حسنًا، (أسرار الهيكل) سحقت هذه الفجوة، لتحسم اعتبارى بول سوسمان هو الأفضل من وجهة نظرى الشخصية.
 أولًا: لحسن إدارته دفة الرواية عبرهذا الكم جغرافيا البلدان ونفسية شخصيات، مع استخدام فى محله للتنقل الزمنى بين ماضيهم وحاضرهم، كلا، لقد أثبت سوسمان أنه لا يقل حبكة وإعداد معلوماتى على الإطلاق.
وفى نفس الوقت، كل شخوصه حملت خلفياتها دراما قوية مؤثرة، تكفى لأن تكون موضع رواية مستقلة وحدها.
ثانيًا: أول مرة أيضًا أجد رواية مغامرات، تجتهد لتقدم حل لقضية سياسية، قد أختلف  180% درجة فى مدى واقعيته، لكن -بلا شك- احترمت اجتهاد المؤلف، ذلك المؤلف الذى كنت أكاد أرجع إلى الغلاف أكثر من مرة، لأتأكد أنه أجنبى، فكل التفاصيل التى ذكرها عن بلدنا، تجعلك تشك أنه مصرى ابن مصرى، يكن حب حقيقى لهذه الأرض.
وإذا عرف السبب بطل العجب، فقد علمت أن الرجل عمل لأعوام طويلة فى مصر، كأثرى.
السطر الأخير الأخير يقودنا للسبب الثالث، إذ يمتعنى دان بروان، وفى نفس الوقت، لا أستريح -كليًا- لرائحة تمجيد الماسونية والتنويرين التى تفوح رائحتها فى أعماله.
بالمناسبة، أنا من كارهى هيستريا نظرية المؤامرة، لكن ليست درجة أن أقرأ رواية ترفع حراس الهيكل لمرتبة الشهداء والقديسين وحسن أولئك رفيقًا.
وبالباقون هم من كانوا -بكل جهل- يضهدونهم.
أما بول سوسمان، فموضوعى إلى حد كبير، خصوصًا فيما يتعلق بمصر، فيذكر البواب الذى ينتظر البقشقيش فى تنطع من السائحة، وفى نفس الوقت، يصف شخصيات من نفس البلد تحمل الخير والشر معًا مثل رئيس خليفة فى العمل، أو أشخاص أقرب ما تكون للخير المطلق مثل خليفة وزوجته ومعلمه حبيب.
نفس الموضوعية صحبها عندما تحدث عن إسرائيل، فكان تحيزه للإنسان، مهما اختلفت معه كعربى فى التسطيح الذى نتج عنه المنهج، فى مساواته بين مغتصب الأرض، وبين أصحابها الأصليين.
تختصر الجارديان ما سبق بتعليقها المقتضب المذكور على غلاف الرواية، بأنها:
- "رد القارئ الذكى على رواية (شيفرة دافنشى)".
لعل هناك كلام أكثر وددت قوله حول بول سوسمان، ونقاط أروع وددت التغزل فيها بروايته، لولا أن الارتباك ودسامة الرواية تمنع أى تدوينة مهما طالت من أن توفيها حقها.
حسنًا، سأختصر هذا كله، وأقول أقرأوا (حراس الهيكل) وكفى.



 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة

"