الخميس، 13 أغسطس، 2015

أنا طفرة

يُدعى أحمد رءوف.
ولو أردنا وصفه فى كلمتين، سنجده يريحنا من الحيرة، وقولها عوضًا عنا ببساطة وإيجاز:
- أنا طفرة.
لو دقق المستمع فى طريقتها، سيجدها أبعد ما تكون عن الفخر، بل هى إلى الوجع أقرب.
ذات صباح من أمد بعيد، فوجئت أمه بوليدها يقف على قدميه، يترنح لثوان، ثم يستعيد توازنه ضاحكًا.
غطت فمها بكفيها، ولها حق فى كل هذه الدهشة، لو علمت أن أحمد كان دون العام من عمره، من جانبه، لم يمنحها الولد فرصة كى تستوعب قفزاته المتتالية على سلم العمر.
فبدأ الكلام قبل أوانه، فى الحضانة، أجاد القراءة والكتابة بطلاقة، كما بدأ يضيغ تراكيب لغوية من الانجليزية.
أما الأعجب، فهى علاقته بالرياضيات، لفتوا انتباهه أن ما يفعله لا يُصدق،  كيف تحسب داخل عقلك حاصل ضرب أعداد من رقمين وثلاثة، دون استعانة بآلة حاسبة.
الفتى أجابهم بعيون أكثر تعجبًا، إنه يفعل ما يفعله بيسر، الأرقام تتفكك داخل عقله، ثم تعيد ترتيب نفسها فى صورة ناتج، الأمر من البساطة بمكان، يجعله يتصور أن هذا يحدث مع الجميع.
احتاج الفتى أمدًا طويلًا حتى يدرك أن هذا غير صحيح، إذ لاحظ الهوة فى سرعة الإدراك بينه وبين وأقرانه، واحتاج وقتًا أطول حتى يدرك أنه ليسوا بطيئين، بل هو السريع، وشاسع كبير بين الأمرين.
لاحظ الطفل أن الحروف الأبجدية 28 فحسب، لذلك آمن أكثر بلغة الأرقام، التى تمنحه كم لانهائى من الأعداد.
أحاطته الأم بأسوار من أعواد البخور، والحجب عن الناس قدر الامكان.
وأحاطه الزملاء بأسوار من الكراهية، باعتباره النموذج الخام لطفل المدرسة المدلل.
ثم اكتشف مؤخرًا، أنه حتى هو تطوع بالمزيد، وأضاف حول نفسه أسواره الخاصة، وأى سور ألعن من محاولة استباق الزمن!
فى الابتدائية كان ينجرف لجمع أكبر قدر من المعارف التى يمتكلها طالب الإعدادية.
وفى الاعدادية اجتهد ليفكر كطالب فى الثانوية.
تصور أنه سرق من بين عينى الزمن كل شئ، ولم يفق على العكس إلا على عندما شد أخيه الأصغر طرف بنطاله.
- أحمد، علمنى قيادة الدراجة.
- اصنع لى طائرة ورقية.
- كيف لا تعلم، أنت عبقرى وتعرف كل شئ!
حار أحمد بم يجيب، قديمًا كان صديقه محمود ينادى عليه من النافذة، يسأله لو يريد أن ينضم إليهم.
اعتاد أحمد أن يعتذر عادة، فضل أن يدخر وقته لسباقه المستعر مع العمر، وفى الوقت الذى كانوا فيه يلهون ويعيشون عمرهم، قرأ هو فى الفلك وتحديد المواقع بواسطة النجوم، كما تعلم لغات برمجة كجافا وسى ++، وأضاف إليهم ارتداء القفاز، وإجراء تجارب تمييز فصائل الدم.
سبق أحمد أقرانه بأميال وأميال، لكنه استيقظ متأخرًا أن الكون عدة مضمارات متوازية، وليس واحدًا، وفى مقابل كل خطوة تفوق بها فى مضماره الأحب، نزف مقابلها خسائر لا تعد ولا تحصى فى الأخريات.
"الزمن لا يهزم، ولا يستطيع أحد سبقه"، هذا درس جد بديهى وبسيط، فصدم كمبيوتر بشرى كأحمد رءوف؛ كيف احتاج كل هذا الوقت ليستوعبه؟!
قاتل الفتى لاصلاح ما يمكن إصلاحه، فعاش مرحلة أطلع عليها (استعادة التوازن).
بدأ من محاولة إصلاح علاقته مع زملاء المدرسة، فالعلاقة التى تربطه بهم أعقد ما يكون، هم يحترمونه لدرجة الهروع إليه مع أول مسألة صعبة، ويسخرون منه إلى حد منعه من اللعب معهم.
أدرك أحمد أن ما يفعلونه شعور بشرى طبيعى، من المستفز أن يوجد معهم فتى خارق، يفوقهم بسنوات ضوئية، تخلى أحمد عن فكرة إحراز الدرجات النهائية، اعتاد دائمًا أن يجيب على جزئية خطأ بحيث يبدد نصف درجة أو درجة.
أضفى ذلك عليه سمت انسانى فى عيون زملاءه، وبدلًا من أن يهزأوا به، ويقلدونه، أصبحوا يكتفون بالتقليد الساخر فقط.
التغير الكامل جاء عند موعد مسابقة الرسم، فلم يكتف أحمد برسمة صغيرة، بل عمل بدأب على تصميم جدارى أخفاه عن الجميع، أزاح اللثام عنه فقط فى اليوم الأخير.
ثم انحسب من أمامه، ليترك الباقون واجمين، يتبادلوا النظرات بينهم وبين اللوحة العملاقة.
اللوحة عبارة عن رسم هزلى لطالب، يشقه قلبه رسم أخرى لنفس الطالب لكن على بلمسات واقعية تمامًا.
-كفى بالمرء عذابًا، أن يكون شخصًا حقيقيًا، فيجد من يعاملونه على أنه شخصية كاريكاتورية!
                                             *********

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة

"