الاثنين، 16 مارس، 2015

بعثرة ذكريات عن أسابيع (شمال وجنوب)

  معبد أبو سمبل
مجمع الأديان بمصر القديمة
فوق ظهر الباخرة (سونيستا)

البحر وأنا
جامع عمرو بن العاص
معبد دندرة
أخيرًا عدت.. 
ترى كم كانوا؟!
بحساب التقويم المعتاد هم 21 يومًا.. لكن بالنسبة لى، هو زمن أوسع من أن أحصيه..
منذ أول يوم، ودقات قلبى تحاول أن تسابق دوران هذه الحدث الممتع، دخلت مكتبة الاسكندرية أتعثر فى حقائبى، وفى أمانات قاعة مؤتمراتها أراحونى من عبء الحقيبة الكبيرة، ثم قال لى الأمن أن لا بأس، يمكننى الاحتفاظ بحقيبة الكتف.
- أين (شمال وجنوب)؟
- الطابق الثانى.. القاعة الكبرى..
قبل القاعة بخطوات وجدت جلبة كالحلم، تصدر عن زحام شباب أعلم مسبقًا أن عددهم يقارب المائة، للدقة هم تسع وتسعون، وأتموا المائة الآن فقط. 
دخلت أول خطوة، ووقفت على الباب، موزعين هم على مجالس تظلها خمس لافتات، (تصوير فوتغرافى).. (تصوير زيتى).. (جرافيك).. (فيديو آرت)..آه .. ها هى ذى حيث أنتمى.. لافتة (الكتابة)..
فكرة البرنامج هى تجميع عشرين شاب فى كل مجال من المجالات الخمسة، واصطحابهم معًا فى رحلة مطولة، كنوع من تبادل التعارف والخبرات من ناحية، واحتكاك مع التراث والحضارة المصرية من ناحية أخرى، وفى نهاية الرحلة يقدم كل منهم  مشروعًا من وحى ما شاهده وخبره خلالها، المشروع بتمويل من الاتحاد الأوربى، وهذا وفّر (عكمة كويسة) لمكتبة الاسكندرية كى ترفع سقف امكانيات وفاهية البرنامج..
قال المهذب الوقور، والذى علمت فيما بعد أنه كان المسئول عن التحكيم، واختيار مجموعة الكتابة:
- حرصنا فى اختياركم أن تكونوا باقة منوعة من كل النواح، كمحافظات، وكمجالات كتابة ما بين مقال وقصة قصيرة ورواية، وحتى فى النوعية كرومانسى واجتماعى و.. و.. لدرجة أن أحدكم يكتب خيال علمى، بالمناسبة (هوا فين بتاع الخيال العلمى)..
تلفت.. وصمت تام..
حاولت المساعدة بدورى، فرفعت صوتى لأكرر:
-فين بتاع الخيال العلمى يا جدعان؟!
بيد أن نظرة ثابتة من الزميلة سالى عادل مصوبة نحوى، جعلتنى أتذكر.. على الأرجح يقصدوننى أنا.. (احم.. أنا يا افندم)..
فى رحاب معبد إله الشر (سوبك) بمدينتى (كوم امبو)
بصحبة الزميلة المتألقة: سالي عادل
ثلاثة أسابيع من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، ثم الإياب مرة أخرى..
حسنًا.. فى العادة اعتبر معرفة شخص واحد راقى، بمثابة كنز، فما بالك بأن لديك مساحة مكونة من مائة، وما بالك وكل واحد من هؤلاء المائة قادم من ثقافة مختلفة، اضف إلى ذلك أنهم ليسوا أشخاص عاديين، بل باقة من المتميزين والموهوبين فى مجالهم.. تلتقيهم لأول مرة..
ولكم كررت كلمة (أول مرة) خلال هذه الثلاثة أسابيع..
أول مرة أستقل طائرة.. أول مرة أخوض رحلة المركب العائم ما بين الأقصر وأسوان، أول مرة أول أغنى فى مايك علنًا، (كانت أغنية "متفوتنيش أنا وحدى" للشقى سيد مكاوي).. أول مرة أتنازل عن وقارى المفتعل وأشارك فى صخب راقص، أول مرة أقرر السباحة فى الشتاء، (ثم تذكرت لحظة القفز فى حمام السباحة أننى لا أجيد العوم أصلًا).
أول مرة أعيد اكتشاف موسيقى كنت أسمعها فى صباى، نسيت اسمها لاحقًا، موسيقى غاضبة حانقة تناسب ذوقى، عرفت الآن فقط أنها أوركسترا شهيرة اسمها (كارمينا بورانا)..
أول مرة مرة أقابل قامات أمثال (راجح داوود) موسيقار أفلام (أرض الخوف) و(الكيتكات)، (وسيم السيسى) عاشق المصريات، (آدم حنين) النحات العالمى ومؤسس سمبوزيوم النحت الدولى بأسوان، وحتى أديب محافظتى الشهير (أحمد أبو خنيجر) شاء القدر أن يتأخر لقاءنا الأول كثيرًا، ليأتى فى النهاية من خلال فاعلية تنطمها جهة سكندرية.
وعن الكتاب الزملاء والأساتذة فهؤلاء لا يمكن إيفاءهم حقهم فى سطور، بل يستحقون فصولًا بأكملها.
آدم حنين
أبو خنيجر
داوود ونحن
بالطبع لم تكن الأيام وردية بالكامل، بل تلبد قسط منها بالغيوم، تارة بسبب طبيعتى الخرقاء، وتارة أخرى نتيجة... دعونا من هذا الجزء، المهم أن بعض الأحداث العابرة تركت داخلى ندوب حارقة، ولست من النوع الذى يسهل عليه رتق ندوبه.
حملت تركتى من هذه الأيام من ضحكات من القلب، وشروخ به كذلك، فم فى النهاية، لملمت كلاهما فى حقيبة السفر، وللمصادفة عندما وصلت، وجدت السماء تمطر، فكان من أوائل الأشياء التى خطرت فى بالى أن أدعو من القلب لمائة شاب وشابة أن بيزرقهم الله النجاح والفرحة، بأكثر مما يستحقون.
سأظل أفخر جل حياتى بأننى كنت بينكم لمدة ثلاثة أسابيع، 21 يوم، 504 ساعة.
لا زلت حتى الآن أخرج بتلك البطاقة التعريفية البيضاء، ذات شريط العنق الأخضر، وأتامل حروف اسمى المكتوب عليها+تصنيفى كأحد أفراد مجموعة: (الكتابة).
وحتى الآن، أكاد أرفعها إلى الأعلى بحكم التعود طوال الفترة السابقة، عندما كنت أفعل المثل يوميًا على بوابة مكتبة الاسكندرية، بينما أجيب باقتضاب على سؤال الأمن باقتضاب:
- (شمال وجنوب).

ياسين أحمد سعيد
أسوان 
13/3/2015

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة

"