السبت، 5 أكتوبر، 2013

فى حضرة عمالقة الخيال العلمى

الرواد يلتقون، نعم.. الرواد.. إنهم أولئك الذين أمسكوا القلم، وأبدعوا فى أدب الخيال العلمي، وقت لم يكن فى أرض العرب شيئَا اسمه (خيال علمى).
أسطورة الخيال العلمي السوري د. طالب عمران.
والرائع الذى أمتعنا عبر سلسلة الجيب (نوفا): رؤوف وصفي.
بالإضافة إلى الكاتب والناقد/ محمود قاسم، والذى لا أنسى له مرجع (الخيال العلمى أدب القرن العشرين)، الذى أعشقه.
ومع هذه الصفوة كان لزامًا أن يدير اللقاء شخص على قدر الحدث، فيقوم بهذا الدور رائد آخر من كتاب الخيال العلمى، هو الإعلامى/ صلاح معاطي.
موضوع اللقاء والندوة (الخيال العلمى بين المنطقية العلمية والخرافة)
تقام فى نادي القصة في السابعة مساء 14 يناير 2012م.
العنوان 68: شارع القصر العيني أمام روز اليوسف.                   
ما سبق هى سطور من أرشيف مدونتي، بتاريخ:21 ديسمبر 2012م
و بقدر ما أسعدنى تناول الخبر، بقدر ما امتزج فى حلقى بطعم التحسّر.
حيث سيتعذر علىّ كالعادة حضور المناسبة، بسبب حاجز (المسافة) الشاسع بينى وبين القاهرة.
بدأت اعتاد هذا الأمر إلى حد ما، وأستعيض عنه بنقل الخبر لأصدقائى، وأستصرخهم بكل النفنسة المحتشدة فى صدرى:
"اذهبوا و استمعوا جيداً، ولا تنسوا أن تستمتعوا لى معكم".
ثم حدث ما لم أتوقعه، وهو أجمل طارئ ادخره لى القدر.
تأجلت الندوة، وتغير الموعد ليصادف تاريخ سأتواجد خلاله فى القاهرة.
أكدت على أصدقائى أن نلتقى باكرًا قدر الإمكان، مما جعل وسط البلد وجهتنا المبدئية، حيث قابلت صديقى العتيد أكرم إمام كما اتفقنا، تهنا معًا لمدة، حتى تمكننا أخيرًا من الوصول إلى نادى القصة.
قيل لنا أن النادى فى الطابق الأول، وأثناء رحلتنا إلى الأعلى، وجدنا شيخ وقور يصعد ببطء بصحبة مرافقين له، ألقينا تحية عابرة.
بينما لم نعلم أننا نلقى التحية على الكاتب الرائد الجميل/ يوسف الشارونى.
أخيرًا وصلنا إلى نادى القصة، يحمل النادى عبير كلاسيكى ممتع لا يمكن أن تخطئه.
بدئًا من تصميم الأثاث، إلى الصور الفوتغرافية المعلقة على الحائط، تذكرنا بوجوه جيل الرواد من مؤسسى هذا المكان.
بزغ نادى القصة إلى الوجود فى عام1952م، وينسب إنشائه إلى فارس الرومانسية (يوسف السباعى).
وهو ما جعلنى أتوقف عند صورته بالتحديد، كان رحمه الله فى وسامة نجوم السينما، وخلف ملامحه الهادئة قلب صادق، لمسناه جميعاً عبر حروفه، مات يوسف السباعى، وظلت روحه حية بيننا عبر نبض هذه الحروف.
للعلم، كان لأدب يوسف السباعى صلة ما بالفانتازيا، وأحيانًا الخيال العلمى، فإلى حد ما اقترب من أجوائهما عبر قصص، مثل؛ (أرض النفاق)، (لست وحدك).
بعد دقائق تشرفت وأكرم، بانضمام الشقيقة النشيطة فاطمة على ماضى، أخبرتنا أنها تاهت أيضًا حتى وصلت للمكان، وهو ما منحنى كم من التشف لا أنكره.
من الجيد أن يقع القاهريين فى نفس التيه التى وقع بها ضيوفهم.
انتظرنا انضمام بقية الزملاء من عصبة الخيال العلمي، فتخلفوا عن الحضور لظروف طارئة مختلفة.
انتظرنا وصول بقية الأساتذة، فتخلف (رءوف وصفى)  (طالب عمران) بدورهم، لنفس الظروف الطارئة المختلفة.
مما شكل بداية صادمة كما ترون.
وإن خفف من وطئتها، لقاء القامات الأدبية التى حضرت فعلًا .
تعرفت بينهم مباشرة الأديب الكبير صلاح معاطى، وأدين بالفضل بذلك لمواقع التواصل الإجتماعى، حيث سمحت لى بقائمة أصدقاء افتراضية، ضمت أشخاص بحجم/ صلاح معاطى.
أذكر أننا تبادلت معه عبرها بعض الأحاديث القصيرة، استشعرت فيها كم هو شخصية مهذبة ومحترمة، أما عندما التقيته أدركت أن هذا الانطباع أقل مما يستحق.
أسعدنى أيضًا بلقاء الناقد (حمادة هزاع)، وهو شخصية عزيزة جدًا جدًا على قلبى، كما يعد من النقاد القلائل الذين تخصصوا فى أدب الخيال العلمي.
استفدت لأقصى درجة من حديثنا معًا فى الختام، وأخجلنى حماسه واهتمامه بما نكتب.
بدأت الندوة بكلمة أ.صلاح، وتشبعت بروح الوفاء فوق العادى لذكرى أستاذه نهاد شريف، والتى تسربلت به أغلب كلمته.
حيث سرد لنا العزف المنفرد الطويل الذى قام به أ.نهاد،  وتمسكه براية (لون أدبى) جديد وقتها، واجه مشكلة فى الاعتراف به أساسًا.
لأسباب كتلك، استحق بجدارة أن يكون الرائد الحقيقى لأدب الخيال العلمي.
صورة أرشيفية لعمالقة الخيال العلمى؛ على اليمين (طالب عمران)، وإلى اليسار (صلاح معاطي)، ويتوسطهم الرائد الراحل (نهاد شريف)
ثم جاء دور الناقد محمود قاسم فى الحديث، ملامحه تغيرت كثيرًا.
سنوات طويلة مضت على كتابته لسلسلة (أجمل حكايات الدنيا)، والتى أطل علىّ منها فى  طفولتى بصورة أصغر عمرًا على ظهر أغلفتها، كان يتزيلها سطر واحد، يقول:
(أنا طفل كبير.. أكتب كى أحس بوجودى.. توقيع: محمود قاسم).
السلسلة ضمت بتصرف حوالى 50 من قصص الأفلام العالمية، فكانت من أروع النوافذ التى تفتحت عليها عيون صباى.
من وقتها، عنى لى اسم (محمود قاسم) مفردات مختلطة ببعضها: (السينما)، (النقد)، (الموسوعية)، (التحليل الثاقب).
أصر الناقد العظيم أن يلقى الكلمة واقفاً، رغم ارهاقه الصحى.
المفترض أن موضوع الندوة الأساسى -لو نذكر- هو (الخيال العلمى، بين المنطقية العلمية والخرافة)، بينما أحسست مع محمود قاسم، أننى عشت تاريخ وروح الخيال العلمى بالكامل، بالإضافة إلى وجهات نظره النظر الثرية للرجل حول معنى الخيال العلمى، والفرق بينه وبين الفانتازيا، وظهور هجائن جديدة بين النوعين.
صحبنا فى رحلة منذ ألف ليلة وليلة، مروراً بالرواد ويلز و فيرن ، ثم الذروة مع كلارك وآزيموف وحتى العصر الحالى .
الواقع أن كل كلمة جديرة تفوه بها جديرة بأن تسجل، وتدرس.
اختتم قاسم كلمته بأزمة الخيال عموماً فى الوطن العربى، وقال فى معرض حديثه حسب ذاكرتى: أننا فيما يبدو، قوم نعادى الخيال.
وحكى كيف فكر يومًا فى تأليف كتاب عن أفلام الفانتازيا فى السينما المصرية، وللأسف لم يجد منها ما عدد يذكر، يكفى لاكمال  مادة كتاب، حتى عندما تخيلنا –كعرب-، ظل ذهننا محدود، ولا يميل للتحليق بعيدًا، فجائت أغلب أفلامنا الفانتازية مقصورة على الجان، والعفاريت. وكأننا نخشى الذهاب وراء البحار، أو الصعود إلى الفضاء، أو البحث فى عوالم آخرى.
هنا تدخل صلاح معاطى بوجهة نظر أخرى، وقال أن هذه لا تعتبر نقطة انتقاد، فما المشكلة فى أن نتخيل داخل نطاقنا المكانى الضيق، أو على خلفية واقعنا الاجتماعى؟!ضرب مثلاً بنجيب محفوظ، وقال أتصور لو أنه كتب خيال علمى، لدمجه بنفس أجواء الحارة، والفتوات، والمقاهى، ولخرج عمله تحفة عالمية كالعادة أيضًا.
باختصار، قضيت أمسية من أروع ما عايشت فى حياتى، تمنيت لو أدون ورائهم كل كلمة قيلت.
الشيء الوحيد المحبط ، هو العدد الأقل مما يجب، الذى تواجد فى الندوة.
كيف نام الناس قرير العين، وفوتوا على أنفسهم هذه الأمسية الخلابة.

- من صفحات نشرة (ومضات).
تصدر عن دار حروف منثورة للنشر الإلكترونى.
لتحميل العدد الأول كاملًا ، اضغط (هنا).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة

"