الاثنين، 16 أكتوبر، 2017

رحلة (آرت هوم) من الأقصر إلى العالمية

(الرسوم الزيتية- الحفر على الخشب- الحرق على الجلد الطبيعي- الخامات المُعاد تدويرها).
حمل م.(محمود بغدادي) شغفًا تجاه تلك الفنون تحديدًا، فحلم بامتلاك ورشة تتخصص في إنتاجهم.
بدأ ذاك الحلم فرديًا في مُستهل الأمر، وظل كذلك حتى منتصف العقد الأول من الألفية، حين تقرر تجميد نشاط الفنون التشكيلية بمركز شباب (طيبة) الأقصري، حيث يعمل م. (محمود) مُشرفًا، مما جعله يفتتح ورشته الخاصة داخل جدران نفس المكان، على الأقل؛ كي يبقى على باقة الموهوبين الذين دربهم هناك.
- بدأنا في شهر يوليو 2007م، بفريق يتكون منى، إلى جوار أحد عشر متدربًا من الشباب والشابات، الجميل فيهم، أن شخص المدرب اختفى تدريجيًا، لنصبح اثنا عشر متدربًا ومدربًا في وقت واحد. 
(محمد عبد السميع– صباح خيري- مروة نجدي- رحاب عبد العزيز- مي نجيب– مصطفى الدمرداش– سعاد سباق – شاهيناز–  شيماء مهدي – خضره أحمد –  أحمد رجب).
حظيت الفكرة بتشجيع مدير المركز آنذاك (عبد الحميد مطر) –رحمه الله- الذي قرر تحمل المسؤولية، تجاه مشاكل البيروقراطية الحكومية، التي قد يثيرها وجود مشروع خاص هناك.
-ندين إلى هذا الرجل، بكل ما حققناه حاليًا، فبدون توفيره (المقر)، لما استمرت (آرت هوم) إلى الآن.
-لماذا "لم تكونوا لتستمرون؟!"
أليس من الممكن –مثلًا- أن تؤجر واحدًا؟!
أو تخصص غرفة في منزلك حتى، لأعمال الورشة؟!
-لاحظ أن نصف الفريق –تقريبًا- من الإناث، وأننا نعيش في مجتمع صعيدي، له عاداته وتقاليده، بالكاد يتقبل ذهابهن إلى مكان حكومي كـ (طيبة).
هكذا تم تجاوز العائق الأساسي؛ (المكان)، لتبدأ الانطلاقة الأولى بموارد ذاتية بحتة، دون أي تمويل أو دعم خارجي.
يصف م. (بغدادي) هذه المرحلة، بقوله:
- لن أنس أول لوح خشب اشتريته، لأقطعه إلى 24 جزءًا (اثنين لكل فرد)، نجا منهن سبع فقط. احتفظت بالـ (24) لفترة طويلة، كي أجعلهن مقياسًا لكل متدرب، كي يشاهد مدى تقدمه.
هبطت (آرت هوم) –لأول مرة- إلى السوق، ففوجئوا بردود أفعال محبطة من أصحاب الجاليريات والبازارات.
السبب: أن منتجات الفريق لم تعتمد -كما هو السائد- على الرسوم الفرعونية، سواء؛ نحت على الخشب، طباعة على الملابس، تصوير فوتوغرافي، إلخ. بل انحازت إلى تصاميم شعبية، تم دمجها مع عناصر إسلامية وفرعونية وقبطية.
صممت (آرت هوم) على أولوية (الارتقاء بذائقة الجمهور الأقصري.. المصري)، بعكس الكثيرين ممكن ينصب تركيزهم على (الزبون الأجنبى) فقط، وهكذا.. اعتاد الفريق على الاهتمام بتفاصيل دقيقة، تتضمن سؤال المشتري عن المكان الذي سيضع فيه اللوحة، المساحة، لون الجدار.
اختاروا الصبر ...لأن هذا كله، جاء موازيًا للغزو الاقتصادي والصناعي، القادم من (الصين).
انطلاقًا من الأرضية السابقة، كوّنت (آرت هوم) -من أعضائها- فريقين للتسويق، أحدهما من الذكور، والآخر من الإناث.
   qqq
-مرارة التجول في الشوارع، واستغلال التجار لكوننا في بداية المشوار. منهم من يشتري المشغولات بنصف ثمنها، ومنهم من يقول: "اتركه عندي، ، ثم مُر.. وخذ القيمة بعد بيعه".
هكذا لخص (بغدادي)، أزمة تلك المرحلة، حتى جاءت الانفراجة، عبر استعداد ساحة (سيدي أبي الحجاج) -أشهر ميادين (الأقصر)-، لاستقبال معرض للحرف الشعبية.
في البدء، تشكك (بغدادي) من إمكانية الانضمام، نظرًا لوزن الجهات المحترفة الأخرى، القادمة من مختلف أنحاء مصر، غير أن عضوة الفريق (سعاد سباق) كانت أكثر تفاؤلًا. بوساطتها، تم حجز موعد لعرض أعمال (آرت هوم) على لجنة التقييم.
بلغ إعجاب المسئولين بمعروضات (الآرتاوية)، لدرجة:- عدم التصديق أنها نتاج ورشة عمرها عامين، متواجدة في نفس مدينتهم.
-أثمرت تلك التجربة، عن المزيد من المشاركات في معارض قصر الثقافة، بمرور الوقت، اتسع حجم المشروع، مما استدعى مغادرة مركز شباب (طيبة) في منطقة (العوامية)، لنشهد (آرت هوم) "إعادة ميلاد" في 1 أكتوبر 2011م، من خلال افتتاح مقر آخر بقلب المدينة، خلف مستشفى (الأقصر الدولي) مباشرة. "فاكر يا ياسين؟!".
لم أستطع الرد على السؤال الأخير، نتيجة الابتسامة والذكريات، التي استيقظت.
أعلم أن ما سأقوله –تاليًا- يخالف ما تعلمناه في الكليـة- بمـادة (التقــرير الصحفي)، إذ يشتــــرط على الُمحاور "التزام الحياد التام"، وعدم الدفع بنفسه كـ "طرف" في الموضوع، من قريب أو بعيد.
غير أنني بالفعل لست محايدًا، ولن أستطع أن أكون.
عقب إنهائي فترة التجنيد عام 2011م، توجهت –مباشرة- إلى محافظة (الأقصر)، لاستلام عملي كفني أشعة طبية- بمستشفاها الدولي.
فوق أرض (طيبة)، انحصرت مساحة حركتي في ثلاثمــائة متـر، (من قسم الأشعـــــة، إلى البوابــــة
الجانبية، التي تقود إلى سكن المغتربين، ثم العكس)، لا أدري ما الذي جعلني اختار ذات مرة –على غير العادة- الخروج من الواجهة الأمامية، والذهاب إلى السكن عبر هذه الالتفافة الطويلة من شارع (محو الأمية)، المتفرع من شارع (التلفزيون).
في منتصـــــــــــــــف الطــــريق، لفـــــــت نظري لافتة متجر مصممـة بحــــــــــروف بيضــــــاء وســــــوداء، لكلمة (آرت هوم). أسفلها واجهة زجاجية، يطل منها أعمال تتنوع بين اللوحات الزيتية، بالإضافة إلى تابلوهات من الحفر البارز والغائز.
حتى الآن، يحلو للمهندس (محمود بغدادي) أن يذكّرني –من حين لآخر-، قائلًا:
 -لا أنسى نظرتك حينها.  
وددت لو تطلعت لنفسي في مرآة حينذاك، حتى أعرف كنه تلك النظرة التي يتحدث عنها؟ لكنني متأكد أنني -من الداخل- حفلت بقدر كبير من الشغف والافتتان والضيق.
شغف وافتتان تجاه ما أراه من معروضات، وضيق لأنها –جميعًا- كانت في طريقها إلى التواري خلف الباب، حيث شرع (محمود) في إغلاقه لحظتها.
خمنت أنهم لا يفتحون في هذا الوقت المبكر، وإنما جاء الرجل لجلب أحد المتعلقات، وها هو يستعد للانصراف، غير أنه انتبه إلى وجودي في اللحظة الأخيرة، فتجمدت يده الممسكة بالباب، ثم –للمفاجأة السارة- أعاد فتحه ثانية.
-تفضل، يمكنك إلقاء نظرة لو أحببت.
-أعتقد أنك كنت متعجلًا حينها، فلِمَ ضيعت وقتك، بإعادة فتح المكان ثانيةً، خصوصًا أنني لم أبدُ كسائح أو زبون؟
-كما أخبرتك من قبل، راقت لي نظراتك الفضولية، كما أن مغزى (آرت هوم) ليس –فقط- في البيع والشراء. حسبنا لو توقف عابر سبيل، أمام أحد اللوحات، وقال "الله!" هذا -في حد ذاته- مكسب كافي.  
منذ تلك الخطوة الأولى، اعتبرت نفسي فردًا في أسرة (آرت هوم). إذا كان الجلوس بين اللوحات ممتعًا، فإن معايشة كواليس صنعها، تحوي لذة مضاعفة، خصوصًا بين أشخاص يجمعون بين الموهـــــــــــبة والـــــــروح الطيبــــــــــــة، كـ (بغـــــــــدادي) و(الدمرداش) و(عبد السميع).
في مرحلة لاحقة، طمحت وطمعت أن... يدربونني!
أذكر أنني كنت أهوى الرسم، حتى ما بعد المرحلة الثانوية بقليل، فظننت أن بإمكاني -داخل (آرت هوم)- بعث ميولي القديمة تلك، لكن الأموات لا يستيقظون، إذ اصطدمت بعائق (بطئي الشديد في التطور)، ومع ذلك، لم استسلم، ما دمت قد عجزت عن الانضمام إليهم في دنيا (الفنون البصرية)، فلأستحضرهم في عالمي أنا.
كتبت رواية بعنوان (المنحوتة)، يدور جزء من أحداثها داخل مكان يُدعى (آرت هوم)، حتى الأبطال استوحيتهم من الشخصيات الحقيقية التي تعرفتها هناك، في مقدمتهم.. رسام مرهف الحس، طيب القلب، طويل الشعر، يرفض نصائحي المستمرة بأن يذهب إلى الحلاق، اسمه داخل الأحداث (هاني مأمون)، بينما استلهمته –في الواقع- من الخطاط والفنان التشكيلي (محمد عبد السميع)، أما الأب (مأمون) ذاته، فهو مستلهم من اسم زميل آخر عزيز هناك، كلما استشرته في معلومة فنية، يتحفني برأيه المعتاد في (أن أدعني من المعلومات، وأصغ لحدسي.. لصوتي الداخلي)، لذلك ألح على ذهني أن يتخذ مكانه داخل أحداث الرواية.. في دور (الوالد). حتى مدير المكان، كان حاضرًا في صفحاتها تحت اسم (محمد بغدادي) بدلًا من (محمود)، لأنني –بصراحة- خشيت أن يقاضيني، أما (مصطفى الدمرداش) فقد نقلته إلى الورق بنفس اسمه.
هكذا، صار (التواجد هناك) أحد طقوسي الدورية بساعات العصاري، أقضي الوقت مع هؤلاء الثلاثة أو الأربعة.
الملاحظ -دومًا- أن (آرت هوم) من الأماكن التي ينطبق عليها مبدأ (المجموع للفرد.. والفرد للمجموع)، بدليل أن أغلب الفعاليات التي مثلت "نقاط تحول" في مشوار المشروع، تم المشاركة فيها عن طريق دفعة أو معلومة بواسطة أحد أعضاء الفريق، وليس المهندس (بغدادي) بالضرورة؛ فبعد تجربة (سعاد سباق) مع مهرجان (سيدي أبو الحجاج)، تسببت (مروة نجدي) في إلحاق منتجات (آرت هوم)، بمعارض على هامش مؤتمرات بفنادق كبرى، أقيمت في الأقصر، كما يدينون لها بالفضل أيضًا، في فكرة التقدم بطلب للمحافظة، لإشراك المشروع في معرض دائم تابع لها.. يسمى (المركز الحضري).
الخطوة التالية، التي خطرت لـ (بغدادي)، هي الخروج من نطاق (الأقصر).
"للأسف، اكتشفنا إنك (عشان تتشاف)، لازم تروح (القاهرة)".
جربوا الدخول من بوابة الفعاليات الدورية، التابعة للشئون الاجتماعية، المعروفة باسم؛ معرض (ديارنا)  للأسر المنتجة.
وقتها، لم يقدموا سوى أعمال حفر على الخشب. ثم –في فترة لاحقة- أدخلوا أعمال الرسوم الزيتية والأكريليك، التي تعتمد على الثيمة الشعبية والألوان الصارخة، فكان ذاك الأسلوب الخاص بمثابة "بصمة" مميزة لهم، أما عن الجائزة الأهم من ذاك التواجد، فهي الاحتكاك بفنانين من شتى المحافظات، مم ترتب عليه من تبادل واسع للثقافات والخبرات.
-أرهقنا الترحال من الأقصر إلى القاهرة، ذهابًا وإيابًا، بالإضافة إلى التلفيات التي تحدث للمعروضات أثناء الشحن، فكان الحل الوحيد الذي فرض نفسه؛ إنشاء معرض دائم لنا بالقاهرة، فاخترت مقرًا بمنطقة (سوق الفسطاط)، بناءًا على اقتراح مخلص من الزميلة (سمر حسنين)، التي تمتلك بزارًا هناك.
مميزات الموقع: يكفي العبــــق التاريخـــي للمـــكان، علاوة على التواجد بين فنانين، يتنوعون بين 40 حرفة وإبداع مصري أصيل.
*******
تم الافتتاح في 1 مارس 2016م، ليكتسب الفريق بعدها –تدريجيًا- جرأة الانضمام لمعارض أكبر، سواء على مستوى الدعاية أو الإقبال الجماهيري، مثل: فيرنكس.. إن دور.. القاهرة الدولي للفنون اليدوية، وغيره. مؤخرًا، زارت (آرت هوم) –بشكل غير مباشر- دول مثل (بولندا) و(فرنسا)، عن طريق وكلاء قاموا بشراء أعمالهم، وطرحها ضمن معارض هناك.

-طموحنا الحالي أن نشارك -باسمنا- في محافل عربية وعالمية، ولا أستبعد ذلك، كما تعودت من عطاء ربى لنا.
تحديث:
تحقق الحلم بأسرع مما قد يتصور أحد، ففي الفترة ما بين إجراء الحوار ونشره في (كلافو)، أخبرني المهندس بعودته –توًا- من مشاركة لـ (آرت هوم)، في معرض بدولة (البحرين).                                        
*******
حرص مشروع (آرت هوم) -منذ افتتاحه- على تقديم خدمة (التدريب) -من وقت لآخر- قدر المستطاع، لمن يرغب من شباب الأقصر (وأحيانًا تعليم مبدئي للأطفال). عادوا لتجديد الدعوة عقب افتتاح الفرع الجديد، من أجل مواكبة الانتشار والطلب المتزايدين، مع بقاء نفس الأسس المعروفة عن المكان، في هذا الصدد: 
-التدريب مجانًا/ لفترة قد تمتد شهرًا أو شهرين/ الخامات تتكفل بها الورشة/ كل شاب ينتج قطعة صالحة أثناء ذلك، يتم منحه مقابل مادي، من قبل انتظار بيعها حتى.
أما عن هموم الصناعة -ككل- يضيف (بغدادي):
-للأسف، الفنون اليدوية في مصر، وقعت تحت أيدي بعض الطامعين، أغلبهم يريد الكسب -بدون عناء- من وراء مجهود الشباب، ظهر ذلك في المعارض التي تقيمها بعض الشركات،  ممن رفعوا قيمة الاشتراك إلى الضعف، كيف يمكن لصاحب مشروع ناشئ، أن يستأجر جناحًا لمدة بضعة أيام، بـ 15000 ج؟! كيف تتطور الصناعات الفنية المصرية، إذا زرعنا في طريق شبابها كل هذا القدر من العقبات المادية.. الوساطة.. غيرها؟!



لمتابعة (آرت هوم) على (فيسبوك).
   
من كتاب (خط الثقافة المستقلة: القاهرة - أسوان ): للتحميل من (هنا).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة

"