الاثنين، 16 أكتوبر، 2017

كيفية تأسيس مكتبة عامة بإمكانيات ذاتية 100%

(سامح فايز).
أحد الشخصيات التي تفرض نفسها، عندما نتحدث عن (التغريد خارج السرب) في المجال الثقافي، صحافته، مبادراته. لذلك، ليس غريبًا أن يتكرر ذكر الاسم -أكثر من مرة- عبر هذا الكتيب. 
  

يقيم (سامح) في قرية (كفر غطاطي) بأطراف الجيزة، غير أنه لا يقيم هناك.
تناقض، فالفعل (يقيم) مختلف -تمامًا- عن (يعيش)، خصوصًا بالنسبة لمن يعمل في بلاط صاحبة الجلالة (الصحافة).
اختبر الزميل هذا الفارق، عندما أفاق من شروده الدائم أثناء الذهاب والمجيء من الجريدة، لينتبه إلى تجمع الجيران حول ماسورة مكسورة بمنتصف الشارع، فقرر -على غير العادة- أن يستفسر عما هنالك. قيل: أنهم خاطبوا الحي مرارًا لتصليحها، فلم يجدوا منهم إلا التجاهل.

-(مندهشًا) هكذا فقط!

رفع (سامح) سماعة الهاتف، ليجري عدة مكالمات. ليس استغلالًا للصلات، بل استرجاعًا لحقوق، كان يفترض أن ينالها أصحابها –مباشرة- في الظروف الطبيعية.
فوجئ الأهالي بوصول سيارة المجلس المحلي، وإتمام الصيانة في سويعات، مما جعل نظرتــــهم

تتغير تجاه ابن الكفر المنطوي، فيخالونه (ساحرًا) أو ما شابه. غير أن صدمة الصحفي، كانت أكبر كثيرًا، إذ لاحظ –لأول مرة- أنه منغمس حتى أذنيه في رصد مشكلات الثقافة داخل بر (مصر)، بينما يفوته الرؤية تحت قدميه.

(أكاد أثق أن هذه المتلازمة، تنطبق على أغلب من يقرأونور الآن).

في أبريل 2016م، طرح (سامح) على صفحته بموقع التواصل؛ فكرة إنشاء مكتبة عامة بجهود ذاتية 100%، داخل (كفر غطاطي).  كانت هذه طريقته في خدمة القرية، عن طريق مشروع من وحي المجال الذي يألفه وينتمي إليه.

أما بخصوص تصوره عن (التنفيذ)، فقد كونه بعد متابعة طويلة لمؤسسات ثقافية، تعمل بتقنية جديدة، تُدعـى:

سعى الزميل لتبسيط معناها، من خلال مثال: مشروع سيارات (أوبر) و(كريم)، القائم على فكرة؛ أننا لن نحتاج شراء سيارة ملاكي، طالما نستطيع تشارك الموجود منها بالفعل. كل الحكاية، أننا سندخل على تطبيق مجاني، والسائق سيأتي إلىّ حتى المكان، هو سينال دخلًا إضافيًا، وأنا سأوفر..
يمكن سحب نفس المبدأ وإسقاطه على مبادرة (إنشاء سلسلة مكتبات في المناطق النائية)، دون منح أو دعم مؤسسات، اعتمادًا –فقط- على تضامن الوسط الثقافي المستقل (أدباء، ناشرين، قراء، إلخ)، كل فرد بالموارد المتاحة حوله.
ما حدث -لاحقًا- أعتبره بمثابة مثال صارخ على مدى قوة و-في نفس الوقت- هشاشة مواقع التواصل الاجتماعي:
في البدء، بدا لي –شخصيًا- أنني تسرعت عند تصنيف المبادرة -لأول وهلة- في خانة (الخيالات الرومانسية عسيرة التطبيق)، بينما ثبت العكس، حين شاهدت انفجارًا من ردود الأفعال الإيجابية، التي باركت الفكرة، وأعلنت استعدادها للمساندة. كلها أوحت بأن: ما هذا؟! لو تطوع كل واحد من هؤلاء بأربعة أو خمسة كتب، لأمكن تأسيس عشر مكتبات؟!
أثناء إحدى مقابلاتنا بـ (القاهرة) مؤخرًا، اعترف (سامح)، أن ما حدث في أول 24 ساعة، فاق توقعاته.. هو نفسه! غير أن حماسة مواقع التواصل، أسفرت عن وجهها الآخر، خلال اليومين التاليين مباشرة، فيما عبر عنه (سامح)، بقوله:
-"خمنت -تقريبًا- أن دعمنا عمره من عمر بوستات (الفيس بوك)".
حيث انحسر التضامن السابق، فلم يستمر في التواصل معه، سوى سبعٍٍ أو ثمانٍِ.
قرر صاحب الفكرة مواصلة تنفيذها على أي حال، فهجر الفضاء الافتراضي، وسعى إلى البدء بتحرك حقيقي على الأرض، ليواجه –هناك- صعوبات أعقد كثيرًا. استفاض في الحديث عنها، عبر منشور مطول بالعامية على فيسبوك.
 سمحت لنفسي –بعد الاستئذان منه- بتحويل النص إلى الفصحى، مع بعض التعديلات هنا أو هناك:
 
يواجه العمل العام في مصر، ثلاث أزمات:
1-الشكل المؤسسي: كي لا تجد نفسك مسجونًا بتهمة (محاولة قلب نظام الحكم)، في حين أنك كل ما أردته للناس –فقط- أن يقرأوا.
2-التمويل: وإلا ستجد نفسك تدفع من جيبك.. فتستدين، وتحبس كذلك.
3-الثالثة (دعونا نؤجلها للنهاية).
              

الشكل المؤسسي:
أول ما يجب التفكير فيه، (الشكل القانوني) الذي يستلزم –في الأغلب- مشاوير لوزارة  (التضامن)، والصعود لمدام (عفاف) في الطابق السادس، وضرورة إحضار المؤسسين، بالإضافة إلى رصيد في البنك، و(فوت علينا بكرة يا سيد، لضرورة التحري عنك –أولًا- في الأمن الوطني).


كل ذلك، يمكن تجاوزه –دفعة واحدة- لو نظرت في ظهر بيتك، أيًا كان موقعك داخل مصر. نعم، هناك في آخر الشارع، ستجد ما يُسمى (جمعيات تنمية المجتمع المحلي)، المنتشرة في كل قرية وحي ونجع.
هذه الجمعيات -بلا استثناء- تحوي لائحة تأسيسها على بند (أنشطة ثقافية)، غير أن معظمها يركز على المساعدات المادية، الملابس، الأيتام.
اعرض عليهم فكرتك، مع ضرورة وجود رصيد مشترك سابق من المعرفة والثقة. لن يجيئهم مجهول من الشارع، فيتوقع قبول مشروعه بترحاب.
المسألة يلزمها الكثير من الصبر.

هذا رابط تستطيع أن تكتب فيه: أين تسكن في (القاهرة)، فيخرج قائمة بكل الجمعيات في منطقتك.
وهذا آخر يحتوي على طريقة للتواصل مع 137 منظمة مجتمع مدني بـ 17 محافظة، يمكنك عرض فكرتك عليهم.

-عيوب هذه الطريقة:
الكثير من تلك الجمعيات.. تحوي نصابين، يعملون بها كـ "تقليب رزق"، فيجب أن تكون دقيقًا في اختيارك.. اعتمد على العلاقات.. واعلم أن أي شخص في العالم، تستطيع أن تصل إلى بست خطوات.. هناك شخص سيوصلك بشخص، حتى تجد نفسك –في النهاية- مع رئيس الولايات المتحدة على الهاتف.
على الجانب الآخر، تحتوي كل منطقة في مصر على (مركز شباب)، تتوفر به مكتبة عامة، تستطيع أن تدعمها بدلًا من بناء مكتبة من الصفر، هذا هو الموقع الخاص بهم.

هل تمتلك طريقة للتواصل مع وزارة التربية والتعليم؟ إذن يجب العلم بأن نفس المبدأ ينطبق على المدارس، التي تحتوى على مكتبات غالبًا، لولا أنها تخلو من الكتاب، فادعموهم بالكتب.
هذه طريقة التواصل معهم.


الجولة الثانية:
وصلت لجمعية (أو أيا كانت الجهة)، أقنعتهم، أجروا اجتماع مجلس إدارة، وأقروا مشروع المكتبة؟
ندخل على خطوة "الكتب"..
من مميزات وزارة الثقافة المصرية أنها لا تحوى سوى كتب تقريبًا، كتب بالملايين في المخازن، ومن نفس المميزات، أن أي مواطن مصري يملك ورقة تثبت انتمائه إلى مؤسسة مُشهرة، يصير من حقه الدخول إلى (أتخن) قطاع في وزارة الثقافة، ليخبرهم أنه يريد كتبًا بالمجان.   
وهكذا، توجهت –مباشرة- إلى قصر ثقافة (الجيزة)، لأقابل الأستاذ (محمد منير)، مسئول إقليم القاهرة، وشمال الصعيد وقتها.

بمجرد شرحي لفكرة مكتبة (كفر غطاطي)، وقّع الرجل على الورق المطلوب، لصرف 5 ألاف كتاب –مبدئيًا- علاوة على تجهيز قوافل ثقافية للقرية.
يمكن القول: أنه كان متعاونًا بشكل غير معهود. بعد 3 أسابيع، غادر هذا الرجل المحترم من منصبه (تقريبا لأنه محترم)، لتحل محله مديرة جديدة، فطلبوا مني خوض نفس الرحلة، وإعداد ذات الورق مجددًا، نظرًا لأن المشاريع في مصر -بلد المؤسسات- مرتبطة بصاحبها، فلو رحل (عليه العوض).


قلت لنفسي:
                                                         

-ولا يهمك ياض، علمونا في المدارس: أن المصري ثائر على مدار التاريخ.
توجهت إلى مقر دار الكتب والوثائق القومية، لأطرق باب د.(شريف شاهين)، الذي شغل منصب مدير الدار وقتها.

بمجرد أن أخبرته بطبيعة المبادرة، تحمس جدًا حتى ظننت أنه سيأخذني بالأحضان، ثم أراه يمهر الأوراق بإمضائه! وأخبرني بأن سيوفر كل ما أطلبه، وسيساعد (إلى جوار الكتب) بأي دعم فني لتسهيل عمل المكتبة.

بعد ستة أشهر من الانتظار، تعطل الورق عند الموظف المسئول، قبل أن غادر د.(شريف) منصبه، (وطبعا ابدأ يا معلم من جديد، ماهي بلد مؤسسات!).
رغم أن من جلس على نفس الكرسي، صديق عزيز ومتعاون جدًا، إلا أن المرء فقد الأمل تقريبًا.
حاولت النظر إلى المسألة من منطلق (أن لنا حق في هذا البلد، يجب أخذه)، فسلمت الأوراق لكل قطاعات الحكومة (كل مديرينها أصدقاء بالمناسبة)، ومنذ 8 شهور لم أتلق أي رد، باستثناء المجلس الأعلى للثقافة، وأخص بالذكر المحترم (وائل شلبي) مدير مكتب الأمين العام للمجلس، بالإضافة إلى المناضل (أحمد بهاء الدين شعبان) رئيس لجنة الشباب.
لاحقًا، بدأ العناد يثمر عن نتائج. اكتشفت أن من حقي طلب كتب مرتين -تقريبًا- في السنة، وبما أن الطلب يستغرق حوالي ثلاثة أو أربعة شهور، حتى يعيروك انتباهًا، فكلما تستلم كتبًا، قدم طلبًا جديدًا. هي نقودنا أولًا وأخيرًا.
نعم، ربما تستهلك الإجراءات وقتًا، فلا شيء يأتي بسهولة كما هو متوقع.. هذا رابط لأكثر من وسيلة التواصل مع كل قطاعات الوزارة، هذه الكتب حقك، أنت لا تتسولها.
*******
قطاعات الوزارة:


على الجانب الآخر، بعض دور النشر الخاصة، أصحابها محترمون، يهمهم المشاركة في مشاريع مشابهة، على الناحية الأخرى، يتم خصم هذه التبرعات من ضرائبهم (يعني في بيتها)، يُفضل التواصل مع ناشرين لك علاقة بهم.
يوجد موقع إلكتروني معروف لاتحاد ناشري مصر، في حالة لو احتجت عنوان أحدهم أو شيء من هذا القبيل.
ملحوظة:
المسألة ليست بعدد الكتب، فلو أخذت واحدًا –فقط- من كل ناشر، مع الوضع في الاعتبار أن عدد أعضاء الاتحاد = 600 تقريبًا، فأنت تملك –الآن- 600 كتابًا!

******

خطة العمل:

يجب أن تمتلك خطة للعمل، موضح بها: ماذا تريد بالضبط؟ ما حلمك؟
حلمي أن أدشن مكتبة عامة لأهل منطقتي.
السؤال الثاني: لماذا؟ كيف؟ ما التحديات والمعوقات التي ستقابلك؟

استخدم ورقة وقلم، واسع للبحث عن حل لكل مشكلة.. المسألة لن تستغرق من وقتك أكثر من ساعتين، لكنك المستفيد في كل الأحوال.

انتهيت من الشخبطة على الورقة؟
يلزمك فريق عمل موزع في مناطق مختلفة من (القاهرة) و(الجيزة) و(أكتوبر).. هؤلاء المتطوعون مهمتهم تجميع الكتب من المتبرعين، ونقلها عن طريق سيارات الأصدقاء، (أو –لو تأزمت الظروف- تاكسي بخمسين جنيهًا، ثمن علبتيّ سجائر).
لو كبر الموضوع في رأسك، ولم تيأس بعد أول يومين، إذن.. أنت من الأحرار، لأن كل ما سبق ليس له أي قيمة، لو نفد صبرك سريعًا، وقلت (آسف يا مصر).
لمثل هؤلاء الأحرار أقدم هذا الرابط؛ دليل به كثير من المؤسسات التي من الممكن أن تمول المشاريع الثقافية والفنية في الوطن العربي.. للوصول إليه اضغط (هنا).

لكن الدليل بلا فائدة، بدون دراسة هذه الدبلومة:

دبلوم التنمية الثقافية في كلية (آداب)، جامعة (القاهرة)، دراسة سنتين بدأت بعد ثورة يناير 2011م، يقوم عليها مجموعة من المتخصصين، مؤمنين بأهمية التنمية الثقافية.
فكرة العمل الخيري على طريقة (وزع يا عم فلوس على الغلابة)، انتهت من العالم كله إلا مصر.. لا يوجد فقير يتحسن حاله شهري.. إذ سيظل طوال عمره فقيرًا.. أما تم تطوير مهاراته، من الممكن أن يصير أغنى من (أبو هشيمة) ذاته. رابط يشرح كافة تفاصيل الدبلومة من الألف للياء.  
*******
ثالت أزمة قد تواجهك (أصعبهم).. هي أنت.. آه.. أنت.. القائم على المشروع!
لو لم تمتلك أملًا في تحقيق حلمك، سيكون كلامي بلا أي معنى.. لو في الجسد.. الإعاقة في روحك التي ترى أنها أقل ترى نفسك عاجزًا ستعيش وتموت عاجزًا.. الإعاقة ليست من الآخرين.. ولو اقتنعت إنك تستطيع.. إذن.. أرنا همتك.. احذف كلمة (مكتبة عامة)، وضع مكانها أي مشروع.. ستجد طريق النجاح واحد.
*******


 من كتاب (خط الثقافة المستقلة: القاهرة -أسوان): للتحميل من (هنا).


صفحة (المبادرة) على (فيسبوك).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة

"