الخميس، 7 سبتمبر، 2017

قراءة في ثلاثية (فرسان وكهنة)

عقب قراءة الجزء الأول، انتابني بعض التشوش.
لكن.. مع الجزء الثاني.. استحال أغلب هذا التشوش إلى انبهار، فهناك العديد من التفاصيل بالغة الصغر، اتضح أنه بمثابة تلميحات تم البناء عليها -بذكاء- فيما بعد.
مما حمسني لإعادة قراءة الجزء الأول (وهو أمر من النادر أن يحدث)، فأستمتع برؤية نفس الأحداث بعين مختلفة، عين من أدرك أهمية كل لمحة كـ (النادل التونسي الذي يتضح دوره المهم في الأحداث، الأخبار السياسية الغريبة التي كانت تذاع في الراديو، إلخ).
أيوة كدا يا راجل..
بلا حبكات بدائية عن مؤامرات ماسونية، بلا حكومات ظل، بلا بتاع.
منبهر بالقفزة الكبيرة، بين المستوى الهزيل الذي قدمه (القباني) في تجربته الأولى (عودة الغائب)، وبين ما قرأته في ثلاثية (فرسان وكهنة).
اتسمت الأخيرة بقدر من التشويق والسلاسة، بالإضافة لشجاعته في اختراق تابوهات كثيرة، قياسًا إلى قيود المجتمع السعودي الذي ينتمي إليه).
 
ما من شيء سيكون إلا وقد كان
ما من شيء سيزول إلا وقد زال
وكأن اليوم قد جاء بالأمس
وكأن الأمس سيجيء غدًا

عبارة غريبة لم أفهم معناها، تكررت كثيرًا على مدار الرواية، ثم لم ألبث أن فهمت أهميتها متأخرًا.
إنها تلخص باختصار جوهر الرواية، الذي يجمع بين الفلسفة والتاريخ وميكانيكا الكم.
فتفيد بأن كل الاحتمالات والمسارات التي كان يمكن أن تحدث في حياتنا.. حدثت بالفعل.
هناك عوالم موازية لا نهائية، بعدد تلك المسارات التي كان من الممكن يسير فيها التاريخ، صار فيها كل منا طبيب، وضابط شرطة، وجاسوس، ومتسول..
أقدمنا خلالها على كل الأفعال النبيلة، وارتكبنا كل الموبقات.
باختصار: كنا.. كل ما كان يمكن أن نكونه.
أو أن هذه الفكرة الضخمة، هي ما فهمته من الرواية على الأقل.
******
أما الجزء الثالث، فقد تراجع مستواه بعض الشيء..
على سبيل المثال: الربع الأخير من العمل، الذي يغطي الفترة التاريخية لبداية دولة المماليك، كان محفوظًا بالنسبة لي كمصري، باعتبارنا درسناه بكل التفاصيل خلال مراحل الدراسة، غير أنني تذكرت أن الكاتب سعودي، فلابد انه تعب كثيرًا للإلمام بتلك الفترة.
ولعل القارئ السعودي كذلك، قد يراها كأحداث يعلمها بالتفاصيل لأول مرة.
كذلك، تفاصيل (الحشاشون) وقلعة (ألموت)، استهلكت داخل العديد من الروايات..
المشكلة، أن تلك الحقب التاريخية، صحيح أنني ابتلعتها، واستمتعت بالكثير من تفاصيلها (بشكل مستقل، وكأنها قصص منفصلة)، غير أنني توقعت أن أغلبية الجزء الثالث، سيخصص للمواجهات المباشرة، بين مراد وقرينه.
للأسف، تلك المواجهات لم تعدو عن صفحات معدودة، وفضل الكاتب ملأ بقية الصفحات، بابحار أبطاله داخل أجواء تاريخية معروفة.
أكرر: استمتعت بهذه الأجواء، لكنني كنت أفضل، لو عاد د. منذر إلى سيرته الأولى في الجزئين السابقين، عندما كانت كل تفصيلة لا تلبث أن يتضح لها دور لاحقًا
******
كنت أخمن مقدمًا، أن رسم تفاصيل الصدام بين الـ (مرادين)، سيشكل تحديًا للكاتب.
نجح الكاتب في تصميم المعركة الأولى المباشرة الأول بينهما، (أعجبني الخطة التي وضعها للوصول إلى المتتهى، واستخدامه لحدث سياسي حقيقي جذري مثل انتحار أبو عزيزة)، كنت أتمنى لو كانت تلك المواجهة هي التي توضع في ختام الكتاب.
لأن بقية العمل تاه مرة أخرى في سرد تاريخ معروف، قبل أن يعود القرينان مرة أخرى إلى الالتقاء قبيل نهاية العمل، في خاتمة سريعة، متعجلة.
******
أكرر أن الجزء الثاني (قطز) هو حجز الزاوية، الذي تسبب في أن أعود لمطالعة سالفه الأول، ثم أتحمس وأتفرغ منذ بداية اليوم، للانتهاء من الثالث.
أكاد أتصور المجهود الضخم الذي بذله الكاتب، لبناء كل هذه التفاصيل، التي تنتقل ما بين السعودية ومصر وتونس وبخارى، وبغداد، والولايات المتحدة.
المغول، البخاريين، الحشاشين، المماليك، عصرنا الحالي.
كما لم تخلو المسألة من لمسة خيال علمي، تنقلنا بين عوالم متوازية، وتاريخ بديل.
بالإضافة إلى بعد فلسفي جميل جدًا، عن الفارق بين ثنائيات (الاختيار، القدر)، (القدرة، الاستطاعة)، (العلم، المعرفة).
أي أننا نتحدث عن رواية ملحمة، تقع على خط فاصل بين الاجتماعي والتاريخي والفلسفي، والخيال العلمي.
بصراحة، أغبطه على هذا الهجين المعتبر بشدة.
من الطبيعي إذن، أن ترتبك بعض الخيوط، أو تمط الأحداث بين الحين والآخر، هذا لا ينفي الثلاثية أعجبتي ككل.
******

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة

"