السبت، 6 مايو، 2017

خذها.. من قلبي الخالص..

هل من الممكن أن يتسبب فتى ما أصغر منك سنًا، فى أن يكسبك عادة عصبية لبقية حياتك؟!

من واقع تجربتى.. الإجابة: نعم..

زملائى يسخرون من حركتى العصبية المسرحية، عندما أتحفز لتحدى/ ثأر/منافسة.. فأضع قبضتى المضمومة وأرطمها بقلبى.
لم يفكر أحدهم أن يسألنى عن السبب، والذى يتلخص فى اسم من أربع حروف..
(حمدى)..
حتى الآن عندما أقابله أتبادل معه كلمة سر لا يعملها سوى كلانا، لا يبادرنى أبدًَا بـ (السلام عليكم) أو (كيف حالك) أو خلافه.. وإنما فقط يبادر ساخرًا:
- من قلبى الخالص..
يصر أن يذكرنى، فأجد قبضتى المضمومة تصافح أيسر صدرى..وأكرر مثله بخشونة ومرح فى الوقت نفسه:
- من قلبى الخالص..
القصة تعود لحوالى عشرة أعوام، عندما تكونت عصبة للشطرنج فى القرية، قررت أن تتجمع على حب اللعبة، تكونت الجموعة من شريحتين عمريتين، أنا وصديقى وائل نعتبر الأكبر، وخلفنا بفجوة تتكون من عدة سنوات، يوجد (عمرو) و(حمدى) وآخر ثالث..
لأسباب لا أذكرها، فقدت مستواى فى الشطرنج فجأة، أعجز عن فهم السبب، فقط ما أذكره أننى أضعت هيبتى، وصرت أخسر من الصغار بسهولة تامة، بل باكتساااااااح..
تتحرك أصابعى بخشونة، بينما أتوعد بالثأر فى دور جديد، فإذا بى أنال خسارة أكثر "إذلالًا"..
النعت فى السطر الأخير -فى حد ذاته- جعلنى أكره نفسي بشكل يفوق الحدود..
الخسائر المتوالية على يد من هم أصغر سنًا، ليست بالأمر الصحى لأى شخص سوى نفسيًا، فما بالك بمن هو على غير ذلك..
مبارياتى مع حمدى بالذات لا أنساها أبدًا، لا أنسى كيف كنت أخترق دفاعاته، وأمضى قدمًا بغروري المعتاد، ثم يفاجئنى بفخ قاتل..
طرأ على تركيزى تحسن طفيف، من مرحلة (شخص يقع فى الفخ دون أن ينتبه)، إلى (ينتبه للفخ متأخرًا)..
صرت أمد يدى بلهفة لألتهم أحد قطعه الهامة، وفى اللحظة الأخيرة، تتجمد أصابعى، إذ أكتشف أنها مؤمنة بتغطية من قطعة أخرى..وأحمد الله على أننى كبحت أناملى فى الوقت المناسب، لأننا نلعب بقانون راسخ، ينص على:
- إذ رفعت قطعة خصمك مللى واحد، فلا مجال للتراجع..
فى الثانية التالية، أرفع عينى عن الرقعة، لأننى أسمع خصمى يسبل عينيه، ويعقب ساخرًا:
- لماذا لم تأكلها، هيا، أنا أسامحك، هي لك.. "من قلبى الخالص"..
تكرر هذا الموقف بحذافيره لمدة أسابيع طويلة، عشرات الفخوخ لجيوشى، إذا نجوت من واحد، وقعت كالغر فى عشرة..
- كلها يا ياسين.. من قلبى الخالص..
سمعت هذه الجملة، وظللت تطاردنى فى كوابيسى مصحوبة بالأدرينالين، والهيستريا الغاضبة..
أعتقد أن الأمر كاد يتحول إلى عقدة نفسية بالفعل، لولا أن أنقذنى المولى عز وجل، وكما فقدت قدراتى فى اللعبة فجأة، وجدتها تعود تدريجيًا من تلقاء نفسها..
أخيرًا.. صرت أكثر تركيزًا بشكل غريب، كلا، لم يتغير التكنيك، هم صبية أهدأ أعصابًا، ويملكون ثباتًا جليديًا، بينما ظللت وفيًا لأسلوب: الموجات الهجومية التي تتأرجح بين السرعة والتسرع.
نياهاهاهاهاها.. لكم كانت أيامًا باسمة، عندما جاء وقت الثأر!
لا أعرف كيف انتقلت من مرحلة (الهزائم المذلة)، إلى (هيبة الأخ الأكبر الذى يسبقهم عمرًا وخبرة)..
كل هزائم المرحلة القديمة رددتها لهم الصاع صاعين..
وانعكس الموقف تمامًا..
صار (حمدى) يراقب قطعه المحاصرة فى كل مكان، وكلما يهم بتناول أحد رجالى، أضع يدى على قلبى، المحمل بوجع الفترة السابقة، وظمأها للثأر:
- هيا يا حمدى، لماذا توقفت؟! هيا كلها من .. من قلبى خالص..
من يومها، وصارت هذه الحركة متلازمة عصبية لا تفارقنى، كلما تكتسحنى الحياة، أجد قبضتى المضمومة تتحسس الطريق إلى قلبى، وترطمه بعنف، علها تخبره أن يتماسك، فحتمًا ستتغير الأوضاع، ويأتى دور أسترد فيه كرامتى على الرقعة..
لماذا أقول كل ذلك، لأننى منذ ساعات، عدت من زفاف صديق قديم، وبينما أتجه لشرب كوب من الماء، سمعت صوت بنبرة لن أنساها أبدًا، ينادى:
- من قلبى الخالص..
قبل حتى أن ألتفت، تيقنت من هو، كان هناك ثالث عابر حاول أن يفهم ما معنى الذى يقال، دون جدوى، فمضى فى سبيله..
وضعت الكوب متعجلًا، وارتددت إليه بالأحضان والسلامات..
عرفت أن لاعب الشطرنج الصبى، لم يعد صبيًا، صار فنى تكييفات فى فندق شيرتون المطار، ثم من صنعة إلى صنعة، حتى عاد واستقر مرة أخرى فى القرية..
- من قلبى الخالص يا ياسين..
امتدت يدى إلى صدرى، لأكرر تحيتنا العتيدة، لكن يدى تراجعت، وصارحته:
- للأسف لم يترك لنا الزمن قلب أصلًا، كى أدعى أنه خالص، أو غير خالص..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة

"