الأربعاء، 17 مايو، 2017

(قوص بلدنا) جمهورية موازية في الصعيد

في العادة، أؤمن بـ "التخصص.. شرطًا أساسيًا للاستمرارية"، خصوصًا في مبادرات المجتمع المدني، وإلا يتفرق بين القبائل، مما يصل بالكيان إلى الانهيار خلال فترة وجيزة.
ظللت أتعامل مع هذا المبدأ، كحقيقة لا تقبل الاستثناء، حتى سمعت عن جمعية (قوص بلدنا)، بأنشطتهم التي تتنوع بين الثقافي والاجتماعي والفني والخيري، إلخ. كلما جذبت خيط تفاصيلها أكثر، اتسعت مساحة الإعجاب، فتحطيم القاعدة السابقة ليست وجه تفردهم الوحيد.
تاريخ الانطلاقة: يونيه 2010م.
تخيل أن تقضي النهار في كلية الطب، بالبالطو الأبيض والسماعة، ثم تهبط إلى الشارع عصرًا، بمكنسة وجاروف؟!
أطرح هذا السؤال كبداية، لنقدّر مقدار شجاعة التي تحلى بها أحمد على حجاج، محمد مراد، محمد سيد، محمود أحمد عاطف، أحمد عمر حمادة.
خمسة طلاب بكلية الطب، جامعة قنا، أطلقوا حراكًا متعدد الأنشطة بمدينتهم، تحت لافتة؛ جمعية (قوص بلدنا)، غير أن البذرة بدأت بهدف أحادي بسيط.
جلّ ما فكروا فيه –وقتها- المشاركة في نظافة الشارع، بالتنسيق مع المجلس المحلي. بهذه الخطوة، اختبروا بالطريقة الصعبة مدى الاختلاف بين أفق النوايا الطيبة، والهبوط على أسفلت الواقع.
من ناحية، عمال النظافة الذين يتقاضون أجر يومي (9 ج) وقتها، اعتادوا انتهاج مبدأ (العمل على قدر فلوسهم)، فضايقتهم وجود الشباب إلى جوارهم، مما يفرض –بطبيعة الحال- الاضطرار للشغل بجدية إضافية.
أما عن المسئولين في مجلس المدينة، لم يصلهم –بحكم أمان مكانتهم الوظيفية- أي نذر يسير من ذاك الاضطرار للجدية، فوفروا التسهيلات والأدوات تارة..  وحسروها عنهم تارة أخرى.
الشيء الوحيد الذي تحمسوا لأجله، محاولة استقطاب الطلبة للعمل تحت مظلة الحزب الوطني، تحديدًا مشروع (مصر أحلى بشبابها) لو يذكره أحدكم.
في المواقف المشابهة، تجنح أغلب المبادرات التي أعرفها، إلى الرفض.. رفض فطري للانزواء تحت أي جناح سياسي، ديني، طائفي، عرقي، إلخ. كي يظلوا جزءًا من الناس فحسب، وهو ما فعله شباب (قوص بلدنا)، ليفاجئوا بأن الصدمة الثالثة.. مصدرها "الناس" أنفسهم؛ فبينما لم يفرغ الفريق من العمل بعد، يفاجئهم أحد العابرين بطرح المزيد من القمامة، وإذا لفت أحد الشباب نظره –بتهذيب- إلى الصندوق المخصص، تأتي الإجابة البريئة: 
-هذا عملكم أنتم. (ظنًا منه أن الطلبة ينتمون إلى عمال النظافة).
يضيف عضو الفريق المؤسس د. أحمد عمر:
-"انتبهنا إلى أن نظافة الطرقات، تحتاج عملًا موازيًا في نظافة العقول".
أعقب نزولهم الشارع في يونيه، أول صالون ثقافي في أغسطس من نفس العام.
أمسية لطيفة، أقيمت بمقهى (مطاحن مصر العليا) التي تقع إلى جوار مقر الشركة على النيل، ثم جاءت النقلة التالية برعاية الحاصل على جائزة الموظف الأفضل في وزارته، على مستوى إقليم جنوب الصعيد.
(أنور جمال)، مدير قصر ثقافة (قوص).
انتبه الرجل إلى النشاط الشباب اللافت، فرحب باحتضان أنشطتهم داخل القصر، وأحاطهم بدعم لامحدود على حد تعبيرهم، لدرجة أن:
- عندما تتأخر الفاعليات، ويرغب الأمن والإداريين بالانصراف، يبقى هو كي يؤمن لنا راحتنا في الوقت الذي نرغبه.
أغلب أصحاب المبادرات من أصدقائي، يتحدثون عن التجاهل الذي يلاقونه من الحكوميين، حتى يظهر نسخة (أنور جمال) خاصتهم، أمثال هذا الرجل موجودون في كل مكان، مرونتهم نابعة من وازع فردي، لذلك، إن رحلوا...
- ... وجاء صف ثان لا يرحب بكم، ألا ترى أن ذلك سيهدد استمرار نشاط المبادرة هناك؟
- الاحتمال مطروح بقوة، خصوصًا مع شعورنا بعدم وجود نفس الترحيب مع كل الكوادر في القصر.
وجهت المزيد من علامات الاستفهام حول هذه النقطة، فوضح د.أحمد عمر:
- الموظف عندما يعتاد على اللاعمل، يؤرقه تواجد حراك إلى جواره، ويفترض أن الغرض منه هو إشعارهم بالتقصير، وهذا حال العديد من العاملين هناك.
سعت (قوص بلدنا) لاختلاق بديل، تمثل في الشاعر والمسرحي (مراد محمد حسن) عضو مجلس إدارة (الجمعية الخيرية الإسلامية)، ساعدت الخلفية الأدبية للرجل على تفهم مساعي الفريق، فتم عقد شراكة بين الجمعية وقوص بلدنا، صارت بموجبها مكتبة الطرف الأول تحت تصرف الثاني.

هكذا استمرت فاعليات الجمعية بالقصر حتى الآن، بالتوازي مع المكان الجديد، ليتوزع بينهما أنشطة الجمعية، كـ؛ نادي السينما كل أربعاء، مسرح ومعارض الفنون التشكيلية بين الحين والآخر، فضلًا عن الصالون الثقافي الذي يعقد كل خميس، وتعود انطلاقته إلى 7 أعوام مضت، منذ بداية الجمعية ذاتها، بالإضافة إلى أنشطة أحدث، مثل جلسات (زاد)، التي تستهدف توفير حد أدني من الأمان المعرفي, بمناقشة الجديد والدسم من الكتب كل جمعة.
                                  **************
في تاريخ 7 سبتمبر 2014م، افتتح وزير الثقافة الأسبق (جابر عصفور)، ما تم تسميته؛ ورشة (العدالة الثقافية)، تضمنت رابع جلساتها حضور أ./ محمود عبد الحميد (جمعية أصدقاء أحمد بهاء الدين الثقافية)، أ./ نبيل نجيب (الهيئة الإنجيلية)، أ./ نورا أمين (فرقة لاموزيكا المستقلة)، أ./ وليم سيدهم (جمعية النهضة الثقافية والعلمية – الجيزويت)، أي يمكن اعتبارهم مؤسسات ومبادرات قدموا من  زوايا مصر الأربع، لكن أطولهم مسافة في القدوم، قطع 650 كيلو متر من أقصى جنوب القاهرة.. الصحفي (الحسين محمد) ممثل جمعية (قوص بلدنا)، هذا الاعتراف الضمني الحكومي، لم يأتِ بين يوم وليلة، بل سبقه مسافة أبعد وأصعب من الصدام مع البيروقراطية الحكومية نفسها، وستظل، على سبيل المثال، عندما أنشأت الجمعية برنامج للموهوبين الصغار، حمل اسم (بكرة)، وشرعت في بناء قاعدة له، قوامها "أطفال المدارس"، في البدء دخلوا أبوابها بشكل ودي، بناء على العلاقات المباشرة التي تغمر أي مجتمع محلي كالصعيد، ثم أرادوا تعزيز وجودهم رسميًا، بالذهاب إلى وكيل وزارة التربية والتعليم بقنا. فزع المسئول، قال أن هذا أمر لا يصح إلا بتأشيرة من الوزير نفسه، كيف يا أفندم، يفترض أن حضرتك وكيل الوزارة عن المحافظة ككل!
نهايته.
حتى الآن، برنامج (بكرة) مستمر بالعلاقات الودية!
نعم، من المريح أن تتأقلم مع مبدأ "الاعتماد على الذات"، فتسقط من حساباتك أي دعم حكومي، لكن.. هل يتركونك وشأنك؟
يحكي د. أحمد عمر حمادة، عن أحد أحرج فترات المبادرة:
- في مرحلة ما بعد الثورة، أبلغني قريب ذو صلة بالداخلية، أن الأمن عينه علينا. لم أفهم أي ضرر كنا نسببه بالضبط، خصوصًا أننا كنا واضحين منذ البداية، بأننا لا نحمل أي انتماء سياسي. حتى مدير قصر الثقافة، بلغه تحذيرات لها نفس المعنى، امتد بعضها إلى التلميح بأن؛ تعاونه معنا قد يضر مركزه الوظيفي.
احتجت أن أكرر السؤال مرة واثنين على د. أحمد، كي أتأكد من أن أذني لم تخطئ ما سمعته؟
في مصر –فقط- يعد العمل التطوعي جديرًا بعقاب أصحابه، بما يحتل المرتبة الأولي في قائمة العقبات، أو للدقة -من وجهة نظري- المرتبة الثانية، لأن أكبر المخاطر التي يواجهها الشباب.. هم الشباب أنفسهم.
تتعدد الآفات التي يمكن أن تصيب الجبهة الداخلية لأي مبادرة، فاهتممت بسؤال د. أحمد عما واجهوه منها في قوص بلدنا.
خصوصًا أن نفس سهولة عملك –كصعيدي- في مجتمع محلي تنتمي إليه، يجعلك تصطدم بصعوباته أيضًا، ولو بعد حين.
أجب د. أحمد عمر على هذه النقطة:
-  ليست السياسة فقط، ما حاولنا تجنبها، سعينا أيضًا لخلق فريق، لا يسأل أحدهم الآخر: "من أي قبيلة أنت؟" .
من أحرج فترات الجمعية أيضًا، تلك التي فرغت فيه من الكوادر، الشباب يسافرون للعمل أو للتجنيد، الآنسات يتزوجن، مما نتج عنه مرحلة انتقالية شديدة الصعوبة، حتى تم رتق الفراغ مرة أخرى.
في (قوص بلدنا) يصل الأمر حاليًا، لأن تجد شباب في الإعدادية والثانوية يديرون بعض الفاعليات.
لم ألبث أن انتبهت لنقطة، فسألت المنسق العام السابق:
-  ألست عضوًا مؤسسًا؟ ماذا عنك الآن؟ كيف ومتى تركت المنصب بالضبط؟
-  تنحيت كـ (مبارك).
هكذا أجاب مازحًا، قبل أن يضيف بجدية:
-  أهم أسباب استمرار (قوص بلدنا) هي التقويم، فالتقويم، فالتقويم المستمر.
تركت مكاني بعد انتهاء المدة، وتنحيت في سبيل إفساح المجال لانتخابات حرة، أفرزت كوادر أخرى لا تقل كفاءة، أقف بجوارهم حاليًا من خلال دور استشاري، لا تنفيذي.
يتكون هيكل (قوص بلدنا) من (منسق عام)، يتغير  بانتخابات نصف سنوية، تتفرع الشجرة الوظيفية إلى عدة لجان، بعضها إداري، مثل (المالية)، (الإعلام)، (التدريب)، (الموارد البشرية)، وآخر فني مثل (الثقافية)، (العلمية)، (الميدانية).
بهذه الروح الداخلية المنظمة، انفتحت الجمعية لعقد شراكات خارجية مع الجميع، انطلاقًا من مبدأ التكامل لا التنافس، فنجحوا إلى جوار مؤسسة (دوم) وقصر ثقافة (قوص)، في إطلاق حفل لراوي السيرة الهلالية (سيد الضوي) رحمه الله، علاوة على عرض لفرقة (بني مزار)، وورشة أدبية للكاتبة الكبيرة (سحر الموجي).
                                      ************
-"ظننا أن سنجد أرض فضاء، خالية إلا من طاولة ومقعد في المنتصف، يجلس عليها عجوز بجلباب وعمامة، وفي الخلفية صوت إطلاق نار من بعيد.
فوجئنا بصورة مختلفة تمامًا لما تخيلناه عن "مبادرة مجتمعية" في الصعيد، في البدء، اتضح أن (محمد يوسف) الذي تواصل معنا، ليس مسنًا كما تخيلنا، بل صيدلي شاب، يعمل ضمن  فريق عمل متناغم، تعجينا أنه تضمن سيدات أيضًا، بخلاف الصورة الشائعة للصعيد، حتى الآن، تعتبر (قوص بلدنا) هي أحد أكثر الكيانات المنظمة التي تعاملنا معها".
                               أحد مسئولي مؤسسة (دوم) بعد زيارته الأولى للمبادرة
                                    *************
ثمة بروتوكولًا آخر مع متحف (السيرة الهلالية) بـ (أبنود)، مكّن موهوبي الجمعية من عرض فنهم هناك.
كذا؛ (الجمعية العلمية لطلاب طب قنا)، وفرت الغطاء لحملات (قوص بلدنا) الصحية، وورشها لتعليم الإسعاف الأولى.
(بكر هشام)، معيد بكلية هندسة (أسوان)، ومثال للأفراد الذين يوازي تعاونهم تأثير جماعات، حيث دشن ورش تعليمية لصناعة "آليين"، صحيح أنها اقتصرت على رافعات بسيطة + تقنيات بدائية تعتمد على قانون (باسكال)، لكن عند التطلع للمسألة –ككل- بنظرة إلى الأعلى، يعد ما سبق إنجازًا كبيرًا: هناك ورش روبوتات على مسافة
عندما غاب المهندس لظروف العمل والتجنيد، رتق الفراغ بوجود الكيمائي (عبدالله عرابي)، عبر سلسلة جلسات لتبسيط العلوم.
اتسعت روافد تأهيل الكوادر، لينال بعض أفراد الجمعية تدريبًا من جهات محلية كـ (يلا نجاح) بقنا، إلى التشبيك مع مؤسسات دولية مثل (Care) و(Y-peer).
بينما ظل التمويل –حسب تأكيد المنسق العام الأسبق- ذاتيًا بالكامل، فالناشطين أغلبهم متطوع لا يتقاضى أجرًَا، بل يتبرع أيضًا، أما عن أماكن إقامة الفاعليات، فيحصلوا عليها مجانًا من خلال عقد شراكات. في أحيان قليلة يوجد متبرعين خارجيين، تحديدًا في المشاريع الخيرية كمعرض ملابس، أو شنط رمضانية، إلخ.
- هذا كله يصب في مغزى تجربتنا: بوسعك أن تفعل لمجتمعك كل شيء، من موارد لا شيء.
                                      ***********
بعد سبع سنوات من العمل المتواصل، لم يتم إشهار الجمعية –رسميًا- حتى الآن، وإن كانت هناك محاولات جادة منذ 2010م، تنوعت أسباب تعثرها؛ ما بين الاستنفار الأمني عقب الثورة، إلى جوار التبدل المستمر في الكوادر المتوفرين، نظرًا لظروف العمل والدراسة، بالإضافة لمشكلة المقر، بل حتى حاجزهم النفسي من التحول عقب الإشهار إلى إحدى تلك الجمعيات الروتينية المترهلة التي نعرفها.
كل هذه العقبات ذابت -تدريجيًا- في السنوات الأخيرة، بفعل الخبرات والاستقرار الذي اكتسبه الكيان، فاقتربوا بالفعل من تلمس طريق الإجراءات، من مميزات إنهائها؛ الاصبطاغ بثوب رسمي، علاوة على إمكانية الحصول على منح وتمويلات أوسع.
كل تلك الأمور تبخرت بظهور قانون الجمعيات الأخير، والذي –على إثره- تم سحب عدد من تخصصات وزارة التضامن، لتوكل إلى جهاز برئيس على درجة وزير، يقود ما يشبه مجلس الحرب، يتضمن ممثلين لـ (الداخلية، الخارجية، الدفاع، المخابرات، العدل، التضامن الدولي)،  
آلاف مؤلفة من الجمعيات الصغيرة في الحواري والنجوع، من التي تقوم بتوزيع بطاطين في الشتاء، أو تباشر مستوصف خيري، أو غيرها من الأنشطة تسعى لرتق الفشل الحكومي، جميعهم –الآن- مهددين، –كأبسط مثال- صار نزولك لعمل استبيان في الشارع (الذي هو أساس أي عمل تنموي)، قد يجعلك معرضًا لغرامة لحبس سنة، بالإضافة إلى غرامة نصف مليون جنيه، وتتكرر نفس  العقوبة المغلظة في حالة أخطاء إدارية من نوعية ...
لا أريد الحديث أكثر، من النادر أن أقابل بنود قانون تصبح مجرد اجترارها مستفزًا إلى هذا الحد، (وإن لم يكن نادرًا جدًا في السنتين الأخيرتين)، المهم، في سبيل حصار إزعاج نحو 50 أو 100 جمعية لحقوق الإنسان، تم خنق وتأميم المجتمع المدني القائم في مصر بأكملها، إلى أجل غير مسمى، بالإضافة تبخير أي أمل لمبادرات تفكر في الانضمام إليه رسميًا، من نوعية (قوص بلدنا).
-
* صفحة الجمعية على الفيسبوك
* رابط القناة على يوتيوب.
* تم نشر هذا التقرير على موقع كلافو، (هنا).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة

"