الخميس، 13 أبريل، 2017

كان رجلًا طيبًا

عجبًا لتلك الحيل الدفاعية النفسية، التي يمارسها الإنسان على نفسه!
عندما فتح زميلي استراحة القسم، وقال "الشيخ إبراهيم.. توفي في حادث". ثم انصرف.
تطلعت إلى الباب المغلق باستغراب، لم ألحق بهم، لأستوثق:
- هل ما سمعته حقيقي؟
فضلت الاعتقاد -كاذبًا- أن الإجابة "لا"، حتمًا يعود الخطأ إلى أذني في الأغلب.
ظللت على هذا الحال لمدة نصف ساعة، ثم وجدت أن الاستمرار في الهروب ليس مجديًا:
- زميلي (فني المعمل).. توفاه الله.
لم اكن أعرفه عن قرب، لكن من الصعب أن تفقد أحد ساكني نطاق دائرة عملك، خصوصًا عندما يقاربك في السن، فيصلك -فجأة- خبر اختياره إلى جوار الله.
يسمونه "الشيخ" لأنه كان أكثرنا التزامنا "كما يقول الكتاب"، وهو الوحيد -تقريبًا- الذي يتضايق بحق إذا لم يستطيع مساعدة مريض أو زميل.
خرجت من غرفتي إلى الردهة، لألازم الرفاق الجالسين عند مكتب الأمن، وكأنني خشيت البقاء وحدي برفقة التأرجح بين التصديق وعدم التصديق.
-"والله كان رجلًا طيبًا"، كانت الجملة أكثر مدعاة للذعر بين كل ما سمعته الإطلاق.
أيمكن ذاك الوجه الذي كنت تقابله بالأمس، وتحدثه بضمير المخاطب بـ (صباح الخير، أخبارك؟)، فجأة.. صار -في الوقت الحالي- خبرًا للحرف الناسخ "كان...".
الشيء الوحيد الذي أعاد إلينا صوابنا، "تعليق" من أحد العمال البسطاء:
-كان صائمًا، ومات أثناء ذهابه لاصطاب شيوخ بسيارته إلى ندوة دينية في مدينتنا، مثل هذه الوفاة لا تعتبر مدعاة للحزن، هذا رجل نعلم أنه يحب الله، فأحب الله لقاءه، نحسبه كذلك، ولا نذكي على الله أحدًا.
كانت أول مرة يجعلني أحدهم ننظر إلى خبر وفاة، وكأنه حدث "مطمئن"، فلا أجرؤ على القول "سعيد" بالطبع.
أستحلفكم أن تدعو لهذا السعيد -بظهر الغيب-، خصوصًا في مثل ساعات المطر المستجابة هذه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة

"