السبت، 25 فبراير، 2017

من كتاب (نبوءات الخيال العلمي)| الإدراك الفائق للحس ESP

حسنًا.. سأحاول أن اختصر، وإن أعجز عن التيقن؛ هل سأنجح في ذلك، أم لا؟
فالإنسان في حد ذاته كون معقد، لا تكفيه مجلدات، فما بالنا بما وراء الانسان؟!
الألماني (ماكس دسوار) أصرّ عام 1889 م على تسميته (الباراسايكولوجي)،
(بارا) تعنى (فوق).. والـ (سيكولجى) مرادف لعلم النفس كما هو معروف.
أما (جوزيف راين) فيدللـه بـ ESP، اختصارًا لـ ( Extra- Sensory Perception الإدراك الفائق للحس).
المشكلة لا تقتصر على المسمى فقط، بل تمتد إلى غزارة الأقسام التي تتفرع منه؛ هناك التخاطر، قراءة الأفكار، التحريك بقوة العقل، الرؤية عن بعد، التنبؤ بالماضي، الطرح الأثيري، الدنو من الموت، تحدى الجاذبية، إشعال الحرائق ذهنيًا، وغيرها.
يوجد فريق ينادي بأن الإنسان الأول امتلك تلك القدرات، قبل أن تبهت –تدريجيًا- تحت صدأ التقدم.
وفريق آخر، يؤكد أن الإنسان الحالي يستخدم 10% فقط من قدرات عقله.
تنحاز تلك النظريات إلى منح المسألة عدالة شاعرية ما؛ "التطور التكنولوجي على حساب الفطرة الصافية"، غير أنني لست مقتنعًا على المستوى الشخصي، فالفراعنة لم يرفعوا أحجار الأهرامات بواسطة التحريك عن بعد، كما أنهم عندما أرادوا السلام مع الحيثيين، لم يخاطبوهم عن طريق التخاطر، بل بعثوا رسولًا.
خلال القرن التاسع عشر، حول رجلين اتجاه الدفة 180 درجة:
- لِمَ التنقيب عن إرث مندثر في الماضي؟ بينما بالإمكان اكتسابه في المستقبل؟
الأول؛ الإنجليزي (تشارلز داروين) بأفكاره عن (التطور) و(الانتخاب الطبيعي) و(الطفرات)، أعقبه الألماني (فريديك نيتشه) الذي ذهب إلى ما هو أبعد، في كتابه (هكذا تكلم زرادشت)، فلم يعتقد في كون الإنسان قمة التطور، بل تنبأ أنه سيستمر في الارتقاء حتى يصل إلى (الإنسان الأعلى) أو (الخارق).
وبالتوازي مع ذلك، هبط الباراسيكولجي من فضاءات الفلسفة والأساطير إلى قاعات المعامل، فشهدت (لندن) عام 1882م تأسيس جمعيتها الشهيرة للبحوث الروحية (SPR)، تبعها نظيرتها الأمريكية في بوسطن (ASPR) في عام 1885م، ثم حدثت النقلة الواسعة بواسطة الاسم الفارق (جوزيف راين)، حيث يُنسب إليه العديد من الأفضال على مجال (الإدراك الفائق للحس)، بدءًا من تسميته ESP، بالإضافة إلى إخضاع ظواهره لمنهج إحصائي منضبط، مرورًا بإنشاء المختبر الشهير الذي يحمل اسمه، وإصدار المجلة المتخصصة (باراسيكولجي).
صحيح أن نتائج (راين) خضعت لانتقادات علماء كبار، أمثال (هارولد جيلوكسين) و(جون سلاديك) و(مارتن جاردينر) وغيرهم، لكن إن هزمت النتائج، فيكفي أن طريقته التحيليلة نجحت، وأكسبت المجال قدرًا من الاحترام، حدًا أدنى منه على الأقل، وبالتدريج، صار (الإدراك الفائق للحس) يدرس في أعرق الجامعات العالمية، وبوسعك نيل شهادة أكاديمية فيه من (ستانفورد) أو (ديوك) وغيرها.
بالطبع، كان لذلك كله تأثيرًا على الأدب، مما نتج عنه توسعًا في قصص الخارقين (السوبرهيروز).
لقد تغير العصر تمامًا، فلم تعد القدرات الخارقة حكرًا على آلهة الأساطير، خصوصًا في ظل ثورة صناعية ضاعفت ثقة الرجل الغربي في العلم، وهو ما تمخض عنه أدبيات متتالية ناقشت تلك القدرات، لعلها بدأت تتخذ شكل متقن منذ 1911م، عندما خط (جي بي بريسفورد) سطوره المعنونة بـ (The Hampdenshire Wonder)، والتي تتناول حياة الطفل العبقري (فيكتور ستوت)؛ صاحب المَلَكات العقلية المتطورة، ونجل لاعب الكريكيت الشهير.
اختلف الأمر عام 1920م، في رواية (ديفيد ليندزي) (رحلة إلى نجم السماك الرامح)، وفيها يكتسب البطل (ماسكل) قواه فوق الطبيعية، فور وصوله إلى كوكب آخر بعيد.
وعلى نفس منوال (بريسفورد) تقريبًا، قدم (أولاف ستابليدون) طفلًا فائقًا آخر، كبطل لروايته (جون الغريب).
الوجهة التالية عام 1933م، عندما أهدانا (أدموند هاملتون) حبكة بعنوان (الرجل صاحب عيون الأشعة السينية)، ولكم أن تتوقعوا كم أثارت الفكرة حماستي، باعتباري فني أشعة طبية في الأصل، خصوصًا عندما علمت أن العمل تحول –لاحقًا- إلى فيلم واعد من إخراج (روجر كورمان)، قامت فكرة القصة على؛ أن عيوننا تلتقط أضواء ذات حدود معينة من الطول الموجي، تمامًا كما يتعامل لطبق التلفاز مع مدى ترددات بعينه، بطل القصة يُدعى (إكسافيير).. صاحب التجارب الجامحة في توسيع مدى الإبصار، وللحق، نجحت، نجحت أكثر من اللازم في الحقيقة، لدرجة أن إغماضه لجفنيه لم يعد يجدي، حيث صار يرى ما ورائهما.
يضاف إلى نفس السلة حلقات سلسلة (سلان) للكاتب (إيه. إي. فان فوجت)، والتي تم جمعها في كتاب واحد لاحقًا، لتحصل على جائزة (ريترو هوجو) كأفضل رواية عام 1941م، و(السلان) هم قوم من البشر الخارقين، منهم (الذهبي) الذي يستطيع قراءة الأفكار، والتخاطر مع قرناءه، أما النوع الثاني فيتسم بذكاء فائق، بالإضافة لإمكانية إخفاء أفكاره عن أبناء عمومته الذهبيين.
قصرنا الأمثلة السابقة على القصص والروايات، لكن لو أردنا الجد، فإن أن (الخارقين) ارتبطوا كأكثر ما يكون بالقصص المصورة، ، وفي رأيي، أراه ارتباطًا منطقيًا، فالناشرين يحتاجوا لضمان متابعة القراء، وفي المقابل، أثبتت ثيمة (القدرات الفائقة) حضورها القوي في ذاك المضمار، منذ متى؟
ربما منذ ظهور شخصية شخصية (سوبر مان) عام 1938م، وهي الفترة التي يؤرخوا لها كبداية العصر الذهبي للكوميكس.
لو دققنا في التاريخ جيدًا، سنجد أنه توازى مع ظروف غاية في الخصوصية؛ سياسية (الحرب العالمية الثانية)، واقتصادية (انتهاء الأزمة المعروفة باسم "الكساد الكبير")، أي أن المزاج العام كان مهيئًا بشدة لفكرة (المنقذ) أو (البطل الخارق)، فصارت التيمة الأكثر شيوعًا إلى الآن.
-
لتحميل كتاب (نبوءات الخيال العلمي) كاملًا.. من (هنا). 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة

"