الجمعة، 24 فبراير، 2017

من كتاب (نبوءات الخيال العلمي)| معضلات السفر عبر الزمن فى الفن السابع:

ملأ مسافري الزمن أعينهم بالمنظر من حولهم، أرض ممتدة.. أشجار.. ديناصورات.. راودهم فضول عارم للتقدم، لكن القوانين واضحة، يجب ألا يحتكوا ببيئة الماضي قدر الإمكان، فجأة وقع المحظور، وهوت قدم أحدهم دون أن ينتبه، لتسحق.. فراشة..
مجرد فراشة صغيرة!
بعد العودة إلى عصرهم، اكتشفوا أن عالمهم بأكمله تغير، طريقة نطق الكلام، طابع المباني، نتائج الانتخابات، لقد تسبب موت الفراشة في متسلسلة طويلة من التغييرات الصغيرة، وها هي النتيجة.
هذا هو ملخص قصة (صوت الرعد) لـ (راد برادبوري)، التي نشرها مطلع الخمسينيات، نسى العالم اسم القصة، بينما حفر في الذاكرة مصطلح (تأثير الفراشة)، ليظل حيًا حتى الآن، كأحد المعضلات التي شغلت فلاسفة السفر عبر الزمن.

من أشهر الأفلام التي تعرضت لهذه النقطة؛ ثلاثية (العودة إلى المستقبل).
تعرض الجزء الأول عام 1985م، لقصة (مارت مكفلاي)، الصبي الذي يعانى المشاكل في كل مكان، في المدرسة مع مديرته الصارمة، وفى المنزل مع أبويه المتشاكسين، فلا يجد السلام سوى مع الباحث اللطيف (ايميت بروان)، ونتيجة خطأ بحت، يستقل الفتى سيارة مضيفه (الديلورين Delorean)، فيكتشف قدرتها على نقل قائدها إلى الماضي، تحديدًا إلى خمسة عشر عامًا إلى الخلف.
التقى (مارت) بأبويه إبان فترة مراهقتهما، غير أن تطورًا دراميًا طرأ، بأن وقعت الأم في حب الابن، وهو ما يفتح الطريق أمام احتمالات كارثية؛ ماذا لو لم تتزوج والدته بالأب، هذا يعنى أن (مارت) لن يوجد في المستقبل، وبالتالي لن تحدث الرحلة، وهكذا لن يلتقي والدته، مما يجعل الزمن يعود لسيره الأول، فتتزوج والده، وهكذا.
ثلاثية أخرى تتحدث عن المستقبل البعيد، عندما تسيطر الآلات على العالم، وكاد أن يستتب لها الأمر تمامًا، لولا مقاومة شرسة من القائد (جون كونر) ورجاله.
فأرسلت الربوتات قاتلًا آليًا كلنا نعرفه، بل وترن عباراته الشهيرة في أذني حتى الآن: (Hasta la vista baby) و (I'm back).
نعنى بالتأكيد عمدة كالفورنيا (أرنولد شوارزنجر)، في أحد أروع أدواره.
استمر تأثيرات الفراشة حتى عام 2004م عندما قدم (إيرك بريس) فيلمًا حول نفس الفكرة، وبنفس الاسم، تشارك في كتابته وإخراجه مع (جي ميكي جروبر)، بينما أسندت البطولة إلى وجه وأداء النجم الذي ارتاح إلي ملامحه كثيرًا؛ (أشتون كوشنر)، وكأنه أخ أكبر، أو صديق قديم.
يقوم (كوشنر) بدور الطفل (إيفان تريبورن) الذي أصيب باضطرابات نفسية نتيجة طفولته المعقدة.
كبر (إيفان)، وبطريقة عجيبة اكتشف تحول دفاتره القديمة إلى ما يشبه آلة زمن، نقلته إلى الماضي، لقد حل عقل (إيفان) الكبير في جسد نظيره أيام الطفولة، سعى الشاب إلى محاولة تغيير الأحداث التي دمرت صباه، فيتضح له أن كل -تغيير مهما كان بسيطًا- يؤدى لتحول غير متوقع في الحاضر كذلك.
نترك الفراشات لحالها، وننتقل إلى أشكال أخرى طرحتها السينما من السفر عبر الزمن، يفترض أن الزمن يسير عادة إلى الأمام في خط مستقيم، بالتالي؛ عندما يتحرك في دائرة تعيد نفسها، نعتقد أن هذا شكل مختلف جدير بالملاحظة.

هذه هي الفكرة التي طرحها فيلمGroundhog Day  عام 1993م، الإذاعي المغرور (فيل) كاد أن يجن، فتفاصيل اليوم تتكرر نفسها مرة بعد مرة، ليتم تناول هذه الأزمة بشكل كوميدي.
تجربة أخرى شدتني شخصيًا، تحمل اسم (شفرة المصدر)، الموضوع هنا يتعلق بالجندي (كولتير) الذي يستيقظ ليجد نفسه في عالم برزخي، أو –للدقة- مكان مظلم ومغلق إلا من شاشة، يلقنه العسكريون من خلالها تفاصيل مهمة غريبة؛ سنزرع وعيك في جسد راكب قطار، ومطلوب منك اكتشاف الإرهابي الذي قام بتفجير الجميع هناك، أمامك 8 دقائق بالضبط، ولا يهم إن فشلت، سنعيد التجربة مجددًا مرة ثانية، وثالثة، ورابعة، إلخ، ومن ثم تستطيع تقصي الركاب فردًا فردًا.
من خلال التكرار، تمكن (كولتير) من تذكر ماضيه الشخصي أيضًا، إنه (كولتير ستيفينس).. قائد مروحية أصيب في أفغانستان، ويغرق حاليًا في غيبوبة عميقة بجسد نصف ممزق، فاستغله الباحثون في برنامج أمني يدعى (شفرة المصدر)، يمنح العقول نوعًا مقيدًا من السفر إلى الماضي.
 
أعجبتني معالجة الفيلم، نجح بالنسبة إليّ في منحي طعم مختلف، كما لفت نظري بشكل خاص أداء الممثل (جيفري رايت) في دور البروفسر (رتليدج) مصمم البرنامج، وفي نفس الوقت، إعجابي بالبطل الرئيسي (جيك جلينهال) أمر مفروغ منه، واستغرب -في العموم- عدم نيله المكانة التي تناسبه، وكونه أقل  حظًا من نظراءه، كبار وسيمي هوليود.

كل ما سبق في كفة، وفيلم (إنترستيلر) في كفلة أخرى، انتظر الكثيرون فيلم (كريستوفر نولان) الجديد، وتوقعوا –كالعادة- صورة بصرية مميزة، بالإضافة إلى حبكة متقنة؛ لدينا مجموعة مستكشفين، وثقب دودي، يستقلونه ضمن رحلة بحث عن كوكب آخر صالح للحياة.
وصدق أو لا تصدق: ساهم فيلم (إنترستيلر) في إهداء سبق علمي جديد!
فقد استعان (كريستوفر نولان) بالفيزيائي الشهير (كيب ثورن)، وطلب منه التعاون مع فريق المؤثرات، فهو الأقدر على إنتاج صورة واقعية لما تكون عليه الثقوب السوداء، نلاحظ أن (ثورن) نفسه –أيضًا- لم يتعامل مع الثقوب إلا من منظور رياضي، لذا تشوق هو الآخر لمشاهدة النتائج بعينيه، لا بالأرقام.
بعد معالجة الحاسب لـ 800 تيرابايت من البيانات، أثمر المجهود عن الشكل النهائي الذي رأيناه في الفيلم، كان الظن السائد –سابقًا- أن الثقب يأخد شكل قرص أسود حوله هالة، للمفاجأة، أثبت الفيلم وجود أخطاء بذاك التصور، مما جعل الفيزيائيين يصححون معلوماتهم.

=
لتحميل كتاب (نبوءات الخيال العلمي) كاملًا.. من (هنا). 

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة

"