الجمعة، 24 فبراير، 2017

من كتاب (نبوءات الخيال العلمي)| الانتقال الآني

"حاول الخصم توجيه لكمة إلى هايدن، ففوجئ به يتلاشى فى ثانية ويظهر على بعد أمتار".
تكرر هذه اللقطة كثيرًا فى فيلم (القافزJumper ).
 يتحدث الفيلم عن (هايدن كريستين) الذي يمتلك القدرة على طي الأرض والانتقال من مكان لآخر في كسر من الثانية، المسألة قدرة خوارقية ذاتية ها هنا،ولا تتطلب أجهزة بأجهزة، وطوال الفيلم يقع البطل فريسة مطاردة شرسة من الـ "بالادين"، وهى منظمة متعصبة وضعت على عاتقها مهمة اصطياد القافزين، وتصفيتهموالسبب؛ أن هذه قدرات لا يجب أن يملكها سوى الإله من وجهة نظرهم.
لنتخيل توصل العلم إلى أجهزة تحقق مثل هذا القدرة، لربما حينها تتهدد مستقبل شركات المواصلات التقليدية، ويشرد الملايين حول العالم من موظفي (الطائرات، السكك حديدية، السيارات، السفن، إلخ).
سيناريو سيء لهم بالتأكيد، في حين سيكون في منتهى الرفاهية والراحة للآخرين: أن كل ما عليك الآن أن تدخل كابينة، فتتلاشى ذرات جسدك، ثم تنتقل أثيريًا ليعاد تجميعها فى أوربا.
يسمونه الانتقال الآني أو اللحظى (Teleporting)، ويمكننا أن نلاحظ بسهولة أن اللفظة هجين يجمع بين مصطلحي "الاتصالات" Telecommunications و"المواصلات" Transportation. 
أما إذا بحثنا عن أثر الانتقال الآني في ذاكرة الأدب، فلدينا الكثير من الأعمال التي نتحدث عنها، أولهم -حسب معلوماتي- هو قصة ”الرجل بلا جسم“ سنة 1877م، للمؤلف (بيج ميتشل) –تذكروا هذا الاسم جيدًا، لأنه سيتكرر معنا كثيرًا- ، نجح بطل القصة في تفكيك الكائنات الحية، ليتم نقلها لحظيًا عبر أسلاك التلغراف.
وعندما جاء الدور على العالم ليجرب الاختراع على نفسه، نفدت طاقة الجهاز، فانتقل رأسه.. فقط..
ثم اختطف الأضواء سير آرثر كونان دويل، نعم.. هو نفسه مبتكر شخصية (شارلوك هولمز)، خاض دويل تجربة شخصية مؤلمة، خرج منها بميل عنيف للإيمان بالماورائيات، فاختلق بجوار الأشهر (هولمز) شخصية خيالية أخرى لم تنل النصيب نفسه من الشهرة، هي البروفسر (تشالنجر)، عالم الروحانيات الشغوف بالجانب غير المادي من الكون، اصطدم البروفسر بعالم يمتلك آلة تفكيك، ويتفاخر بقدرته على تفكيك مدن كاملة بما تحويه من ملايين البشر.
انتهت المواجهة بنجاح البروفسر في استخدم الآلة على مخترعها، وغادر المعمل دون أن يعيد تجميعه، هذا هو مختصر حكاية (آلة التفكيك) الصادرة عام 1927م، أعقبها الكاتب (جورج لانجلين) عام 1957م بقصته القصيرة (الذبابة)، ليتحدث عن مخاطر طريفة للانتقال الآني، فذاك رجل يستخدم جهازًا لينقل نفسه بنفسه، لكن –لسوء الحظ- تصادف وجود ذبابة معه في نفس الحيز، وهكذا.. اختلطت ذراتهما معًا عند إعادة التجميع، فتخيلوا منظر الهجين الناتج!
لفتت القصة نظر المخرج (كورت نيومان)، فقدمها إلى قاعات السينما في العام التالي، تحت فيلم حمل نفس العنوان.
ومن الأعمال السباقة أيضًا في هذا الصدد، قصة (نجوم معادية) لـ (باول أندرسون)، والتي ترشح عنها لجائزة (هوجو) فئة أحسن رواية لعام 1959م،  وعندما حان العام 1967م، قدم توماس ديش مزج بين نظريتي (الانتقال الآني) و(العوالم المتوازية) من خلال (ناثان هانسارد) بطل قصته  (الصدى حول عظامه).
على الجانب الآخر، من قرأ الكتاب العبقري (فيزياء المستحيل)، سيلاحظ أن مؤلفه (ميشيو كاكو) يكن تأثرًا شديدًا بمسلسل (ستار تريك)، ومن ثم حكي قصة طريفة عن المسلسل، من منطلق كونه من أوائل الأعمال الدرامية التي روجت  لفكرة النقل الفوري.
المفارقة أنهم لجئوا إلى ذلك إجبارًا لا اختيارًا؛ حيث نص السيناريو –في البداية- على مغادرة الأبطال عبر رحلة فضائية عادية، لكن عند الحساب الورق والقلم، هالهم كم الميزانية المطلوبة حينذاك، من هنا لاذوا بفكرة إرسال الفريق آنيًا، كحل أرخص.. لا أكثر!
وبالاستمرار مع (ميشيو كاكو) وفيزيائه المستحيلة، فتحدث أولًا عن استنكار العلماء للفكرة ، فمن أجل نقل شخص فوريا، عليك أن تعرف الموقع الدقيق لكل ذرة في جسمه الحي، وهو ما يناقض مبدأ عدم التأكد لها "هايزنبرج".
يؤكد "كاكو" أن العلم تجاوز هذه العقبة نسبيًا، ليتحقق الانتقال الآني بالفعل، وينسب الفضل في ذلك إلى شركة IBM، التي نقلت النظرية من خانة الخيال العلمي إلى حيز النجاح الملموس، فقد تبنت المشروع عام 1993م، برعاية العالم (تشارلز بينت)، والذي -بدوره- نجح في البرهنة عمليًا على إمكانية نقل الأجسام على الفور على المستوى الذري.
نعم.. بالكاد نجح الأمر على مستوى الذرة، واعتبروا ذلك -وقتها- قم الطفرة والانجاز، فالعلم لا يقفز بتلك الوثبات الواسعة التي نراها في السينما.
بعدها بأربعة أعوام، نجحت تجربة جامعة (إنجسبورك) في وجامعة كاليفورنيا لنقل فوتون ضوء آنيًا.
ماذا فعلوا إذن في لكسب هذه الأرض الجديدة؟
كان طوق الانقاذ عن طريق ثلاثة فوتونات (والفوتون هو الدقائق التى يتكون منها الضوء) الفوتون الأصلي المراد نقله، وفوتون آخر وسيط في مرحلة الانتقال، وثالث هو الفوتون تم تخليقه في المكان المراد الوصول إليه،وهكذا سافرت معلومات استنساخ الفوتون الأصلي إلى الفوتون الثاني فالثالث، وهكذا كان الفوتون الثالث نسخة طبق الأصل من الأول،الذى يفنى خلال العملية.
احتج البعض أن هذا يشبه عملية استنساخ كإرسال فاكس والمسافة ليس لها دور  بالأمر، أي ليس "سفر" بالمعنى الحرفي.
نعقب بأن هذا صحيح، لكن العلماء تشبثوا بهذا الطريق الوحيد المتاح، وسعوا للتوسع فيه بقوة، عام م2004، تمكن العلماء من جامعة (فيينا) من نقل جسيمات من الضوء لمسافة أبعد من 600 متر.
في عام 2006، تمكّن العلماء من نقل معلومات مخزّنة على شعاع ليزر إلى سحابة من الذرات على مسافة نصف متر، لتصبح أول تجربة واقعية يتم فيها نقل المادة مع الضوء من مكان لآخر فعليا.
 وبعدها بستة أعوام، تمكّن الباحثون من نقل المعلومات بنفس الطريقة، ولكن على مسافة أكبر وصلت أكثر من 140 كيلومتر.
المعلومة الأخيرة تفتح بابًا واسعًا في مجالات شتى، لكن.. لنكن واقعيين أولًا، لا مجال لأحلام الخيال العلمي لنقل البشر، فهذا يستلزم مليارات من الجيجابايت لتحمل المعلومات الموجودة على ذرات جسم الإنسان، وتنقلها لمكان آخر توجد فيه نسخة مماثلة لنفس الجسم لتستقبل المعلومات الخاصة به. هذا في وقت نجحنا خلاله بالكاد في نقل ذرات، لمسافة محدودة، إذن لننظر إلى الجانب المشرق، ارتحال الذرات آنيًا يعد مستقبلًا بصنع شبكات اتصال لحظية للحواسيب، هذا سينزع على الأقل فتيل شكوانا المستمرة من  شركات الانترنت، وسيريحنا من سماع نصائحهم العبقرية لبطء النت على غرار (افصل الراوتر، وافتحه ثانية).

***********

لتحميل (نبوءات الخيال العلمي) كاملًا.. من (هنا). 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة

"