السبت، 25 فبراير، 2017

من كتاب (نبوءات الخيال العلمي)| الحرب النووية

حضرت –سابقًا- ندوة عن "الخيال العلمي" بـ "نادي القصة"، وتصادف أن احتل المقعد الذي أمامي مباشرة، رجل استأذن في مداخلة، ثم أبدى وجهة نظر مميزة، ترمي إلى؛ أن الخيال العلمي لم يقتصر دوره على التنبؤ فقط، بل اضطلع بدور هام في التحذير أيضًا، فنسب المتحدث إلى مؤلفيه أن ساهموا -بشكل غير مباشر- في منع اندلاع الحرب النووية!
خصوصًا إبان الحرب الباردة، عندما أنتجوا كم مهول الأفلام والروايات والقصص، كلها رسخت للسيناريو المقبض المنتظر في حالة استعار الحرب، وهو ما حفز وعي الشعوب تجاه القضية، وفي المقابل، ضغط على الحكومات أمام هذا الرأي العام العالمي.
بغض النظر عن اتفاقي أو اختلافي، فقد راقتني وجهة النظر بالفعل.
أما عن الوضع الحالي، فالبعض مطمئن لوجود تعادل في ميزان القوي، كرادع يمنع الحرب، إلا أنني –بصراحة- لا أشاركهم هذا التفاؤل، فقد تقع أسلحة نووية في يد إرهابيين، أو ، بوصول أحد المخابيل إلى رئاسة إحدى الدول النووية، فنتهدد –طوال الوقت- بوجود الزر تحت الإصبع الخطأ، وهو ما لفت إليه فرسان الخيال مرارًا وتكرارًا.
يقال أن أكثر من تأثروا بثيمة النهاية النووية، هم القوم الوحيدون الذي لفحتهم نارها بالفعل.. اليابانيون، وانعكس ذلك –بشكل غير مباشر- في عشرات من قصص المانجا المصورة، والرسوم المتحركة، التي يشتهروا بها، يمكننا أن نلمس ذلك في أعمال المخرج الأيقونة (أوسامو تيزوكا) وخليفته (هاياو ميازاكي)، وغيرهم.
وبالعودة إلى الغرب مرة أخرى، ألقى (راد برادبوري) نرده الإبداعي باكرًا.. عام 1950م، من خلال سلسلة قصص قصيرة أسماها "أسفار المريخ The Martian Chronicles"، تروى الأحداث على خلفية هلاك الأرض نوويًا، فلاذ الناجون بهجرة جماعية إلى (المريخ)، مما أدى إلى اشتعال الحرب بيننا وبين السكان الأصليين للكوكب الأحمر.
في المقابل، توجد روايات مثل (ظل على المدفأة) عام 1950م، و(وا أسفاه على بابل)  عام 1959م، تتحدث كلاهما عن محاولات ذاتية من قبل أفراد على الأرض، للنجاة عقب ضربة نووية.
وعلى النقيض تمامًا، قرر شخصيات (على شاطئ البحر) الاستسلام لقدرهم، فتصف الرواية انتظارهم للغبار النووي القادم من نصف الأرض الآخر، إثر نشوب حرب عالمية ثالثة، حرب ذرية شاملة هذه المرة.
الرواية من تأليف (نيفيل شوت)، وصدرت عام 1957م عن دار نشر (هاينمان).
في تلك الفترة، تعافي العالم بالكاد من ذكريات الحرب العالمية الثانية، وأخص منه بالذكر، فردًا مقاتلًا خدم ضمن جيش الحلفاء، وشهد –ضمن صفوفه- تدمير كنيسة أثرية خلال موقعة (ماونتني كاسيني)، هذا المجند هو (والتر ميلر الابن)، الذي تحول فيما بعد إلى كاتب شهير، وسطر عمل أدبي من وحي هذه الذكرى، تحت اسم (ترنيمة ليبويتز).
تقدم الرواية صورة مبتكرة لعالم ما بعد الحرب النووية، تتخيل فيها شعوبًا صارت تمقت "العلم" و"المعرفة"، باعتبارهما من أثمرا الأسلحة التي دمرت العالم.
مجرد إجادتك للقراءة والكتابة حينذاك، كفيلة بجعلك طريدًا من الجميع، غير أن رجلًا يدعى (ليبويتز) اختار السير عكس التيار، فلاذ بكنيسة منسية في الصحراء، مصطحبًا معه ما تبقى من تراث معرفي، تدريجيًا، توسعت دعوته لتجتذب أنصار وأتباع.
أي أنها نفس التيمة التي استخدمها بعده (راد برادبوري) بأعوام قليلة، عن عالم شمولي يعادي "المعرفة"، مع اختلاف الدوافع والخلفية الدرامية.
نالت الرواية إشادة نقدية، ارتقت بـ (ميلر) إلى حصد نجائزة (هوجو) كأفضل رواية خيال علمي عام 1961م.
نفس الاحتفاء لحق بسلسلة (ولد وكلبه)، التي بدأت عام 1969م كقصة قصيرة بقلم (هارلان إليسون)، ثم تطورت لاحقًا إلى قصص أخرى تلاها فيلم سينمائي، تصدر بطولتهم المراهق (فيك) برفقة كلبه المتخاطر (بلاد)، وبما أننا نتحدث عن مرحلة ما بعد دمار نووي شامل.. يجب أن نتوقع عالم متوحش بلا قوانين، وشخصية رئيسية نجحت –باقتدار- في التماهي مع ذلك، فالشاغل والمحرك الرئيسي لـ (فيك) –طوال الأحداث- هو غرائزه الأساسية (الطعام/ الجنس/ الانتقام)، حتى لو كان السبيل إليها –أحيانًا- (الاغتصاب) و(أكل اللحم البشري).
لدينا أيضًا رواية ((Z for Zachariah، التي يتصدر أحداثها مراهق أيضًا، مراهقة بالتحديد، وكأنما يرغب مؤلفي (ما بعد المحرقة) في إعطاء بصيص أمل، كإشارة بأن الحياة لا تزال صبية بعد، وقابلة بالاستمرار.
البطلة تُدعي (آن)، وتتسم بالمثالية على عكس صديقنا السابق (فيك)، وسبب تسمية الرواية يرجع إلى أيام الطفولة الأولى لـ(آن)، إذ امتلكت حينذاك كتاب تعلمت منه أن حرف (A) هو أول حروف الهجاء، وللمصادفة يقابل اسم النبي (آدم)، أول رجل على الأرض، والآن.. بعد تلوث الأرض جراء الحرب النووية وغاز الأعصاب، توقعت الفتاة –بالتالي- أن آخر رجل سيكون على اسم (زكريا) باعتبار أنه يبدأ بحرف (Z).
الرواية من تأليف )روبرت سي أوبراين)، المفارقة أن مؤلفها لم يكن حيًا عندما ظهرت على أرفف المكتبات عام 1974م، وتوفي قبلها بعام، فتعاونت زوجته (سالي) وابنته (جين) من أجل إكمال المسودة، ونشرها.

***********
نهجر سماء الخيال، ونعود إلى القواعد العلمية على أرض الواقع:
- س: ماذا يحدث علميًا إذا اندلعت الحرب النووية؟
استطلعنا فيما سبق رأى أدباء الخيال العلمي، والذين يضطروا للتنازل أحيانا عن دقة التفاصيل العلمية، لأسباب عدة منها؛ عدم تخصصهم، أو ضروريات الحبكة الأدبية، أو –ببساطة- أنهم غير مطالبين بذلك.
أما الآن.. نصغي إلى العلماء، الذين أفادوا بما يلي:
أولًا.. سترفع السحابة الكئيبة التي تأخذ شكل عيش الغراب، وتسحق الموجة الانفجارية والإشعاعية نحو ألف مليون شخص في لحظة..
الألف مليون التاليين سيكونون أسوأ حظًا، إذ لن ينعموا بالميتة السريعة لأسلافهم، بل سنسحب منهم الحياة ببطء، بينما يعانون أقسى الآلام والحروق إشعاعية، التي يمكن تخيلها.
سيتشبع الهواء بكل الغازات السامة التي تعرفها؛ من ثاني أكسد الكربون، والسيانيد، وغيرهم. بعد انتهاء لفحة الحريق التى ستحول الأرض إلى فرن كبير، ستنحسر الحرارة ثانية إلى متوسط 55 درجة، مما سيساهم مع العوامل السابقة في الإجهاز على كافة أشكال الحياة، يعقب الموجة الحرارية صقيع قارس، فتتجمد أسطح البحار والمحيطات، ويحل ما يعرف بـ"الشتاء النووي".
التفاصيل السابقة هي نتاج مجهود ما يزيد عن مائة متخصص في الفيزياء والمناخ والأحياء، اجتمعوا في مؤتمر واحد، لبحث: (التغييرات التي ستطرأ على العالم فيما بعد الحرب النووية).

يشير التقرير –كذلك- أن النصف الجنوبي من الأرض سيكون أقل تأثرًا بكثير ، نظرًا لان الدول النووية في الأغلب  تقع في الشمال، لكن الرياح والتيارات الهوائية ستتكفل بنشر بصمة الدمار إليها ولو بعد حين.
-
لتحميل كتاب (نبوءات الخيال العلمي) كاملًا.. من (هنا). 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة

"