السبت، 25 فبراير 2017

من كتاب (نبوءات الخيال العلمي)| الخيال العلمي العسكري

مرت ساحة الحروب البشرية بالعديد من المتغيرات الصوتية، في الأزمنة السحيقة ساد صليل السيوف، مع صفير سهام ورماح تشق الهواء هنا وهناك.
أما اليوم، فقد صارت هذه الساحات أكثر ضوضاء، مع دوى الرصاصات ودانات المدافع وفرقعة الطائرات عند اختراقها حاجز  الصوت.
صحيح أن هذا الميدان مزعج للأذن، لكننا لا ننكر كم هو لاهث وشيق، وبالتالي ما كان لرجالات الخيال العلمي أن يفوتوا اقتحامه، فصار الهجين الجديد بمثابة تخصص مُعتبر جدًا في الغرب، لدرجة أن شركة نشر تتخصص فيه، على غرار دار (Baen Books) الأمريكية. 
أسموه (الخيال العلمي العسكري)، كما ترون.. المصطلح بسيط ولا يحتاج لتعريف، إنه ذلك الفرع من الخيال العلمي الذي يتناول حروب يُستخدم فيها أسلحة مستقبلية غالبًا، وتشتبك فيها قوات أرضية ضد أخرى فضائية أو حتى بين أرضية وأرضية، قد يتم استلهام الأخيرة من حروب تاريخية حقيقية، أو امتداد لحرب تحدث حاليًا، أو ما يُتخيل أنها ستحدث.
من التجارب الباكرة في هذا المجال، (معركة دوركينج) للكاتب الإنجليزي (جورج تشينسي)، والتي صدرت أولًا كحلقات مسلسلة، قبل أن يتم عام تجميعها وطرحها كرواية عام 1871م، وتتحدث عن هزيمة البحرية البريطانية أمام أسلحة غريبة، استخدمها غزو أجنبي، وانتهى تسلسل الأحداث بسقوط المملكة، وتفككها.
حتى الكاتب الشهير (روبرت هينلاين) لم يصمد كثيرًا أمام إغراء هذا اللون، فدشن روايته (جنود المركبة الفضائية) عام 1959م، ليرسم عبرها خطوط حرب كونية على الورق، بين البشر وما يشبه جيوش من عنكبوتيات فضائية.
وبالطبع حوت الملحمة ما أرحب من مجرد معارك، بل مزجها (هينلاين) ببصمة الفلسفية المعتادة، لتتحول إلى فيلم في نهاية التسعينيات، وإن أقدم الأخير على تغيير الكثير من تفاصيل العمل الأصلي.
من بعدها، صار الخيال العلمي العسكري بمثابة وجه فأل على مؤلفيه، بداية من (الكثبان)، تلك الرواية الفارقة لـ (فرانك هربرت)، والتي رفعته إلى منصة جائزة (هوجو) و(نيبولا) كصاحب أفضل رواية، ويقول عنها (آرثر كلارك):
-"فريدة، ولا أعرف شيئًا يشابهها إلا ملك الخواتم".

هذه الرواية باعت ملايين النسخ، وأثرت في العديد من الأعمال اللاحقة، ليس أقلها سلسلة (حرب النجوم) الشهيرة، الباسم في الأمر، أنها هي بدورها لم تخلو من تأثر بالتراث الإسلامي، من قرأها أو قرأ عنها سيفهم ما أعنيه.
استمر الخيال العلمي العسكري كمفتاح للشهرة والجوائز، بدليل رواية "الحرب الأبدية " عام 1974م، التي نال عنه مؤلفها (جو هالدمان) جائزتي (السديم) و(هوجو)، تركز الرواية على فرقة عسكرية من نوع خاص، فجميعهم من النخبة الذين يزيد ذكائهم فوق الدرجة 150، وينضم إليهم حديثًا طالب الفيزياء العبقري (ويليام مانديلا)، لينخرط معهم بين صفوفهم في حرب كونية خارجية ضد الـ (Taurans) المزعومين، وهي المعركة التي لم تستمر أعوامًا كثيرًا، لكن نظرية (النسبية) تعود للعب لعبتها، وكل سنة من التنقل المهرول في الفضاء، تساوي عقودًا على الأرض، فعاد البطل ليجد عالمًا شاسع الاختلاف عن الآخر الذي تركه، فيكون لزامًا عليه خوض معركة أخرى من أجل التأقلم.
جاءت مشاعر المؤلف صادقة جدًا في الجزء الأخير، نتيجة امتلاكه تجربة مشابهة، كمحارب سابق في (فيتنام).
زاد "الخيال العلمي العسكري" من إثبات سمعته كتميمية سعد، وأضاف إلى المحظوظين اسم (أورسون سكوت كارد)، الذي سار خطي زميله (هالدمان)، وحصد نفس الجائزتين (هوجو) و(السديم) من خلال رواية (لعبة أندر)، التي نالت احتفاءً واسعًا، وتم ترشيحها للقراءة داخل صفوف مشاة البحرية الأمريكية وغيرها من المنظمات العسكرية.
تتمحور الرواية حول حالة الطوارئ التي تسود الكواكب، نتيجة غزو خارجي، نالت هذه الظروف من الشخصية الرئيسية (أندر)، فحولته من مراهق إلى مجند، ومن التدرب على حروب افتراضية، إلى التورط في معارك حقيقة.
هذه الروايات الثلاث (كثيب) و(الحرب الأبدية) و(لعبة أندر)، كلاهم رفعوا كثيرًا من أسهم الخيال العلمي عمومًا، وجمعوا بين المجد من كل أطرافه، سواء (مبيعات واسعة، احتفاء نقدي، جوائز)، علاوة على تأثيرهم الواسع طال الذي الأعمال اللاحقة، من روايات.. دراما.. سينما.. وحتى ألعاب فيديو..
في مطلع التسعينيات، استمر الخط على استقامته، ليتعرف العالم سلسلة روايات (Honorverse) التي استمرت لأكثر من عقد كامل، وتصدر قائمة الأكثر مبيعًا، بحسب إحصائيات (النيويورك تايمز)، وفي المقابل نشطت العديد من المسلسلات في اللعب على وتر الخيال العلمي العسكري، وعلى قدر ما تكبده من تكلفة إنتاجية، على قد تعتبر مخاطرة محسوبة إلى حد كبير، لما تحققه الثيمة من نجاح مضمون، والقائمة تطول من (ستار تريك).. (ستار جيت).. (بابل 5).. (الفضاء.. فوق وما وراء).


************
q دروع الطاقة:
هي أحد أبرز العوامل المشتركة في الكثير من أعمال الخيال العلمي، تلكم الدروع الكهرومغناطيسية الحامية التي يستعملها الأبطال للذود عن أجسادهم أو مركباتهم، أنا نفسي كنت أستعملها منذ تجارب الكتابة الأولى أثناء المرحلة الإعدادية، دون أن أعرف – حينها بطبيعة الحال- ماذا تعنى كلمة (كهرومغناطسيسة).
اللطيف أن الابتكار اتخذ أخيرًا طريقًا للواقع، عام 2006م.
غير اللطيف أن من قام بالمبادرة هو الجيش الأمريكي بالتعاون مع شركة إسرائيلية، أراد أصحابها صنع مجال من الطاقة الكهرومغناطيسية – أتمنى أن يكونوا بدورهم يعرفون ما هي- ليقي الدبابات والمدرعات من الاستهداف بالقذائف، تلقف الفكرة علماء في القوات المسلحة البريطانية في 2010م، وحسب معلوماتي، ما زالت قيد التطوير والدراسة حتى الآن.

q الآليون العسكريون:
لنستعيد ما تحدثنا عنه حول اختراع الطائرة أولًا، ثم مسارعة (ويلز) إلى التنبؤ بها كسلاح محتمل، نفس السيناريو تكرر مع فيلم (ماس كهربائي)، فقد تم عرضه عام 1986م، أي في تاريخ تالي لاختراع أول رجل آلي، (يمكن مراجعة فصل "الآليون والذكاء الصناعي"، فافترضت أسرة الفيلم؛ إمكانية إنتاج آلي مفيد في الأغراض العسكرية، وهو ما صار أمر واقع حاليًا، على مختلف الأصعدة، سواء الطائرات المبرمجة بدون طيار، والآليات الكاشفة عن الألغام.. ومن يدري؟
قد لا ننتظر كثيرًا، قبل أن تتحقق رؤية الخيال العلمي كليًا، فنرى حروبًا تشتبك فيها جيوش آليين بالكامل.

q الزي العسكري الذكي:
المشكلة الأزلية للجندي، هي التحرك في ساحة التدريب أو القتال بخفة وسرعة، مع ما يحمله من أثقال الأسلحة والمعدات.
أسأل أى صديق خاض فترة التجنيد، سيحكى لك عن معاناة الوقوف في نوبة حراسة بالـ (شدّة)، و الشدّة هي واق يزن عدة كيلوجرامات، يوضع فيه المعدات من ذخيرة و.. و..
من الجائز أن هوليود هي أحد أوائل من انتبه مبكرًا لهذه المعاناة، ففي فيلم  Aliens نلاحظ البطلة الفاتنة ترتدي طوال الوقت زى خفيف من الألمونيوم، له إمكانيات ذكية.
ولفرط متانة هذا الجبار لا يرفع أحدهم عينه طوال الفيلم، (لا زلت أتحدث عن الزى)، تلقفت الفكرة "وكالة مشاريع البحوث الدفاعية المتقدمة "DARPA بوزارة الدفاع الأمريكية، وتمحور انجازها في صنع واقٍ إلكتروني من الألمونيوم الخفيف، يتفاعل مع حركة الجندي عن طريق أجهزة استشعار، فإذا قام بحمل شي.. يعاونه ميكانيكيًا كعنصر داعم في عملية الرفع، مما يوفر الكثير من لياقة الجندي.

 q الدبابات:
أضاف ويلز إلى رصيد قصصه القصيرة، واحدة جديدة عام 1903م بعنوان "Land Ironclads"، كما أضافت هي نفسها إلى رصيد نبوءاته مصطلح "المدرعات الأرضية" .
مدرعات ويلز متعددة الأسلحة، تحملها ثُمانية أزواج من العجلات، كما أنها ذات طاقة استيعابية تكفي فريق كامل من الجنود والضباط، تقدم ويلز في جولة الدبابات هذه وسبق العسكريين بأكثر من عقد كامل، وهى المدة التي احتاجوها لتحويل الدبابة إلى حقيقة عام 1916م أثناء الحرب العالمية الأولى.
ولنزدك من القصيدة بيتًا، فبمجرد أن قام الأخوان (رايت) بأول تجربة طيران ناجحة عام 1903م، بعدها بأربع أعوام مباشرة، قدم (ويلز) إشارات مبكرة عبر رواية (حرب في الجو)، ألمح فيه إلى إمكانية استحداث "قوات جوية" في حروب المستقبل، بالإضافة إلى قدرة الابتكار الوليد على قصف الأهداف بالقنابل من الأعلى، للأسف.. لم ينتبه العسكريون إلى هذه الرؤية إلا متأخرًا جدًا.
رئيس وزراء بريطانيا الشهير (ونستون تشرشل)، اعترف بفضل (ويلز) في استخدام الدبابات والطائرات عسكريًا، أما عن النصر الساحق للروائي الانجليزي الرائد، فتمثل في التنبؤ بالسلاح الذي غير توازنات القوى في العالم إلى الآن.

q القنبلة الذرية:
يقول الأدميرال (ويليام ليهى) بثقة:
-"القنبلة الذرية لن تنجح، أتكلم كخبير متفجرات".
في المقابل، هدرت المطابع عام 1914م لتخرج برواية ويلز أن يكون (العالم يتحرر The World Set Free )، والتي يستبصر فيها العكس.
فوصف حجم القنبلة الذرية وطريقة عملها ونطاق تأثيرها، قبل الظهور الفعلي للاختراع بثلاثين عامًا، نعم ثمة بعض الأخطاء، لكن يكفي توقعه واستمرار الأثر الإشعاعي للانفجار، علاوة على الأخطار الطبية، وهي أشياء لم يصغ لها العلماء، أو يقطعوا بأمرها، إلا بعد تجربة القنبلة بالفعل.
استوحي (ويلز) نبوءته من اكتشاف (بيكرل) للنشاط الإشعاعي، علاوة على الأبحاث التي قام بها (رذرفورد) عن الذرة، وبعد نشر الرواية فعليًا، جاءت القفزة نحو تحقيق الفكرة عن طريقة جملة  مفادها؛ أن الطاقة = الكتلة × مربع سرعة الضوء.
هذه هي معادلة (أينشتاين) التي غيرت وجه القوة العسكرية في العالم، وللإنصاف، كان أينشتاين داعية سلام، بل أنه لم يشترك أصلًا في عملية صناعة القنبلة، لكنه فزع عند علمه بجهود هتلر في إنتاج واحدة، فكتب خطابًا تحذيريًا إلى الرئيس الأمريكي (روزفلت)، الرسالة أدت -مباشرة- إلى هرولة القيادة السياسية بإطلاق مشروع في (مانهاتن) لإعداد (الولد الصغير) و(الولد السمين)، الأسماء الكودية التي أطلقت على القنبلتين الذريتين اللذين تم استخدامهما.
أثناء ذروة الحرب عام 1944م، وبعد أن قطع المشروع شوطًا واسعًا، تحت ستار من السرية المطلقة، فوجئوا بنشر قصة قصيرة حملت عنوان (الموعد النهائي)، تحدثت عن قنبلة ذات قدرة تدميرية عالية، مع تلميحات أنها قادرة على إنهاء الحرب.
هرول الفيدراليون للقبض على مؤلفها (كليف كارتميل)، وواجهوه بالاحتمال الوحيد المنطقي، والذي تضمن –بالتأكيد- اتهامًا ضمنيًا بالخيانة العظمى، وإشاعة أسرار تخص الأمن القومي في زمن الحرب.
وبالكاد أقنعهم بأنه ليس ثمة تجسس، إنما هي –فقط- بصيرة الخيال العلمي.

q الرادار:
أثبت (هوجو جيرنسباك) عدم ضرورية أن تكون أدبيًا متمكنًا كي تترك بصمة، فقد تكون لديك مواهب أخرى.
فهو من أسس أول مجلة متخصصة في الخيال العلمي في العالم، وهو –أيضًا- من أطلق عليه (خيال علمي) أصلًا، فكان جديرًا أن تطلق جائزة عالمية تحمل اسمه، تعتبر من أرفع التكريمات التي يمكن أن ينالها كاتب خيال علمي حتى الآن.
كتب (جرنسباك) نصًا تحت عنوان (رالف 124C 41+)، يقيمه النقاد بأنها ليست أقوى ما يكون، لكن مرة أخرى يثبت (جرنسباك) نظريته في (امتلاك مواهب أخرى)، فاحتوت القصة وصفًا للرادار بدقة معجزة، بل وأرفق رسمًا تفصيليًا له أيضًا، مع شرح فني  لطريقة عمله، ولم تجد هذه الفكرة طريقها إلى الواقع إلا بعدها بعقود طويلة،عندما دك الألمان (لندن) بصواريخ ف 1 و ف 2، فظهرت الحاجة الملحة إلى منقذ، وكان المنقذ هو العالم (واطسون وات) الذي أوقظ الفكرة، وقدم اختراع الرادار إلى جيش بلاده عام 1944م.
هذه المسألة تصب في فكرة أن الحرب ليست شرًا مطلقًا خامًا، فنفس هذه العتمة -كما ذكرنا سابقًا- تسببت في بصيص ضوء، باختراعات أفادت المجال السلمي فيما بعد.
 -
لتحميل كتاب (نبوءات الخيال العلمي) كاملًا.. من (هنا). 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة

"