السبت، 25 فبراير، 2017

من كتاب (نبوءات الخيال العلمي)| داخل جدران الخلية

"بذل مجهودًا شاقًا على مدى أكثر من عامين..من أجل تحقيق هدف واحد.. هو بعث الحياة في جسم لا حياة فيه.. ولقد سعيت من أجل حقيق هذا الحلم بحماس بالغ فاق الاعتدال المطلوب لدى الباحثين، لكنني انتهيت الآن.. فجمال الحلم قد تلاشى.. وامتلأ قلبي بذعر لا حدود له."
***********
هكذا كتبت "مارى شيلي" عام 1817م، على لسان بطل روايتها الأشهر (فيكتور فرانكشتاين)، الذي تحمل الرواية لقبه.

وكما خمنتم، أسوقها كتمهيد لفصل يطأ أرضًا جديدة، أرض العالم المختبئ داخلنا.
وعى الإنسان منذ فجر التاريخ على تلك الأوعية التي تحوى روحه، والتي عرفها باسم (الجسد)، لقد لاحظ أن تلك الأوعية يأتي لها وقت، وتنفد صلاحيتها، فكان أول ما جنح إليه خياله هو إيجاد طريقة لتفادى ذلك، أو بمعنى آخر.. حلم (الخلود)..
تروى الأساطير أن أول باحث عن الخلود في البشرية، هو (جلجاميش)، ملك (أوروك) الذي خاض الأهوال في رحلته إلى أبو البشر (أوتو- نبشتم)، ليعلم منه سر الحياة الأبدية.
لم يفوت (سويفت) مسألة الخلود بدوره، خلال عمله الأشهر (رحلات جليفر) عام 1726م، من قرأها سيتذكر –بقليل من الجهد-، الخالدين ذوى الوحمة الحمراء، آه، تلك التي تقع فوق حاجبهم الأيسر.
تمررت الشعلة حتى بلغت يد العملاق الفرنسي (بلزاك) عام 1822م، بشكل أقرب للخيال العلمي الذي نعرفه، فتخوض روايته (المئوي) في فكرة غريبة، لا أجد اختصار وافِ لها، أكثر من مما قاله (دانيال شاتلاين) و(جورج سلوسر) عنها، في مقال مشترك لهما بمجلة (نيتشر)، خصوصًا عندما وضعهم الرواية في كفة المقارنة مع (فرانكشتاين):
- تتبنّى «المئوي» الحالة المادية للبشر: العقل يموت بوفاة الجسم. ويحفظ البطل جسده حيًا عن طريق استخدام أداة مطورة في المعمل (لم تكن لدى فرانكنشتاين أيّ أجهزة) يستخلص بها سائلًا حيويًّا من بَشَر آخرين. وبينما يظل (فرانكنشتاين) مجرد مشتغِل بالكيمياء القديمة، يطوِّر (بلزاك) قانون (الديناميكا الحرارية البشرية)، متأثرًا بعالِمَي الفيزياء (نيكولا كارنو) و(أندريه أمبير). يَفترض القانون أن كل فعل عقلي بالتمني أو الرغبة ينتج عنه انخفاض مساوٍ مضادّ لا يمكن استرجاعه في الموارد البدنية. والطريقة الوحيدة لكسر هذه الحلقة الخبيثة هي استيراد الطاقة.
ظلت الثيمة داخل فرنسا في تجربة أخرى لـ (إدمون أباوت)، الذي توغل في المسألة عام 1861م بتقنية مختلفة، وذلك عبر صفحات (الرجل ذو الأذن المكسورة)، والتي تحولت إلى فيلم درامي عام 1934م.
هذه المرة يوجد مريض على شفأ الموت، فتم تجميد جسده مؤقتًا، وعندما أيقظوه، صار عليه تحمل رحلة الاغتراب، في زمان ومكان مغايرين، ومحاولة البحث عمن تبقى من عائلته.
الأدباء السوفيت كانت لهم كلمتهم أيضًا في هذا المجال، وأحد أبرز الشغوفين به منهم (ألكسندر بيايايف) الذي كتب عامي 1925م و1926؛ (رأس البروفسور دوويل) و(بين الحياة والموت) على الترتيب، في الأولى تناول زراعة الأعضاء، وفي الثانية تقنيات الإنعاش وحلم الصمود أمام الموت، وهي نفس العناصر التي قامت عليها قصة (مولد المعجزات) عام 1935م، لمواطنهم (يوري لوجيشن).
                                                          *********
الخلود.. التجميد البشري.. الشباب الدائم..
تعثرت الأحلام السابقة على التحقق، مما جعل الإنسان يغير البوصلة إلى بدائل أكثر منطقية، فبدلًا من محاولة إيقاف موت الخلايا، ماذا عن السعي لتعديلها؟ أي باختصار ما يشيع حاليًا تحت مسمى (الهندسة الوراثية).
وكما تعودنا، نجد أن العلماء ليسوا هم أصحاب الفضل في هذا المصطلح، بل استوردوه جاهزًا من العالم الساحر الذي يسبقهم بخطوة.. (الخيال العلمي).
أعلنت لفظة (هندسة وراثية) عن نفسها -لأول مرة- عبر صفحات (جزيرة التنين)، العمل الصادر عام1951 م، بقلم الأمريكي (جاك ويليامسون)، وإن تأثرت بفلسفة (نيتشة) إلى حد ما، فاستعرضت مستقبل خيالي تطورت فيه علوم الوراثة، مما قسّم الإنسانية لنوعيين؛ بشر جنوا قطوفها فصاروا أقوى وأذكى وأسرع، بينما بقى الآخرون على حالهم.
وبين أولئك وهؤلاء، يدور الصراع الوجودي الفاصل.
تنويه:
صحيح أن (ويليامسون) هو مبتكر المصطلح، لكن هذا لا ينفي جهد آخرين، سبقوه بتلميحات في نفس الاتجاه؛ لدينا عام 1896م (هربرت جورج ويلز) في روايته (جزيرة الدكتور مورو)، د. (مورو).. العالم المجنون الذي يحكم الجزيرة، وقام بتجارب لتحويل حيواناتها إلى مسوخ أقرب للبشر.
من التجارب السباقة أيضًا؛ العالم الذي صاغه (ألدوس هكسلى) في تحفته الخالدة " عالم جديد شجاع"، التي تنبأ فيها بأطفال الأنابيب.
نهل (كونديرا سميث) من نفس النهر، وسطر عام 1950م، رائعته القصيرة  Haberma.
التي تطرقت إلى رواد الفضاء المستقبليين، وكيف يتم هندسة أجسادهم، للتغلب على العدو الأول للرحلات الطويلة.. الألم!
يوجد عمل آخر قرأت عنه في طفولتي، و-من وقتها- ظلت فكرته عالقة في ذهني، عنوانه (رحلة رائعة)، وهو بالفعل يستحق تلك التسمية بجدارة؛ استهلت الرحلة بمحاولة اغتيال فاشلة، طالت رجل مهم أمنيًا، وبعد فشل جميع الطرق التقليدية في علاجه، اضطر ستة متخصصين إلى استقلال الغواصة (بروتيوس)، ليتم تقليصهم إلى حجم الذرة، ثم حقنهم داخل جسد المريض، لينطلقوا في مهمة لعلاجه من الداخل.
يقدم العمل تلميحات مبكرة عن الجراحات المجهرية، وحاليًا؛ يحلم العلماء بما هو أبعد، برجل آلي في حجم النانو، يؤدي دور مشابه لما قامت به  (بروتيوس) في القصة.
موعدنا التالي عام 1986م، مع (باب في المحيط) لـ (جون سلونسكى)، وفكرة مبتكرة أخرى عن كوكب (شورا) المثالي/ المسالم/ الذي يحيا فيه إناث مائيات فقط، بلا رجال على الإطلاق، أعلم أن السؤال المنطقي الذي يطرأ: كيف يتناسلوا إذن؟!
في الواقع، هذا هو الخيال العلمي الخلوي في الموضوع، يمكن القول أنهن يستخدمن نوع من التوالد العذري، ثم تبدأ ذورة الأحداث، عندما اصطدم (شورا) مع قوة محاربة خارجية، وبدأ الصدام العسكري.
                                                         ***********
 (الجولم) في التراث اليهودي؛ تعني "ناقص"، أو "عاجز"، أو "أبله"، المقصود به الكتلة الجسمانية الذي تمنح الحياة نتيجة وضع  كلمات مقدسة أو سحرية فوق رأسها، وينحصر دوره كخادم أو عون للمهام الشاقة، لو انتبهتم لفيلم (سيد الخواتم)، ستجدونه قد استلهم من الفكرة، وجعل من (الجولم) قوامًا لجيوش (سورون)، التي اجتاح بها الأرض الوسطى.
لنلاحظ أيضًا أن (جزيرة الدكتور مورو)، قائمة على علمنة لفكرة (الجولم) إلى حد ما، حيث نصب د. (مورو) نفسه فيما يشبه الإله، على حيوانات الجزيرة الذين منحهم صفات شبه عاقلة.
بعد (سيد الخواتم) بعقود، تحديدًا عام 1996م، عالج (فرانك هربرت) الفكرة بإضافة صبغة (خيال علمي) أوضح، فتغير الاسم من (جولم) إلى (راقصي الوجوه)، الرواية ذائعة الصيت.
(راقصو الوجوه) يمتلكون نفس ملامحنا البشرية، وصار باستطاعتهم لهم لاحقًا القدرة اكتساب ذكرياتنا كذلك، لكن لا إحساس ولا ولاء، تمامًا كالجولم.
بدأوا كمهرجين يستعملهم الأغنياء بغرض التسلية، ثم تطورت قدراتهم، مما دفع البعض لاستخدامهم في التجسس والاغتيالات، قلة قليلة من المدربين هم من يستطيعوا تمييزهم من البشر الحقيقيين.

مد (ديفيد برين) الخط على استقامته عام 2002م، وقدم رائعته (بشر الأتون )، وتحدث فيها عن شركة متقدمة، تصنع نسخ مطابقة من البشر تحمل نفس ذكرياتهم، وتقوم بدلًا منهم بالعمل اليومي، بل ويتم تلوين النسخ بحسب الغرض منها، الأخضر -مثلًا- مناسب للعمل المنزلي، والعاجي من أجل المتعة والإشباع الزوجي، أما النسخة البلاتين فتكاد تطابق البشر الحقيقيين، ويستخدمها علية القوم.
                                                    *************
اقترب الكثيرين من محراب الحمض النووي (دنا) فأزاحوا الستار عنه قليلًا، إلا أن أول من مد قدميه بخطوة إلى الداخل، هما (جيمس واطسون) و(فرانسيس كريك) عام 1953م، بأن كشفا عن شكل جزيء الدنا، وتكوينه الحلزوني المزدوج.
الطريف، أن كلاهما لم يجري تجربة معملية واحدة، بل اعتمدا على تحليل ما توصل الباحثون السابقون، ومن ثم تجميع الصورة المبعثرة، مما أثمر عن دخولهما التاريخ من أوسع أبوابه، ونيلهما (نوبل) سويًا عام 1962م، ليرتبطا اسماهما إلى الأبد، وفى ذلك يروى أولهما حكاية باسمة أخرى؛ عندما قدم نفسه لأحد العلماء الكبار يلتقي لأول مرة، فرد الآخر مندهشًا:
- كنت أظن أن (واطسون وكريك) هما اسم لشخص واحد!
يقول متخصص الوراثة الجزيئية د. طارق قابيل، أن الجرام الواحد من الدنا يختزن معلومات بقدر ما يختزنه ألف مليار قرص كومبيوتر.
أما لو حاولنا شرح تركيب الدنا نفسه، نقول ببساطة أنه: يتكون من (جزئ سكر منزوع الأكسجين، مجموعة من الفوسفات، قاعدة نيتروجينية)، ولا يخرج حمض أي كائن حي عن هذه المجموعة من العناصر، سواء كان فأر أو ديناصور.
يأخذ شكل شريطين ملفوفين حول بعضهما بشكل لولبي، يمثلان الدفتر الذي سُطر فيه أغلب ملامحنا ومصيرنا.
أي الأمراض حملناها من أبائنا وسنورثها لأبنائنا؟
ما الأشياء التي تصيبنا بالحساسية؟! إلخ.
ونظرًا لأهمية الشريطين، فقد حفظهما الله في داخل حصن حصين، ألا وهو نواة كل خلية من أجسامنا، وبفضل التكنولوجيا الحديثة حاليًا، يمكن فصل طرفي هذا اللولب، وقص أو ربط أحدهما من موضع لآخر.
عام 1976م اتسع أفق المجال، لدرجة تأسيس أول شركة متخصصة في الهندسة الوراثية، وأطلق عليها مؤسسيها (هيربرت بوير) و(روبرت سوانسون) اسم شركة (جينيتيك).
لم يتأخر الصرح الجديد في إثبات تميزه على أرض الواقع، فأنتج في ظرف عامين أنسولين بشرى مهندس جينيًا.
أنهى العلماء نسخة أولية من خريطة (الجينوم) سنة 2001م، ثم وصلوا إلى كلمة (النهاية) في المشروع عام 2007م.
تقول (كاثرين براوين) عن هذه اللحظة التاريخية:
"في اللحظة التي ستصلك هذه المجلة، سيكون بوسعك قراءة كامل الكود الجيني البشري على الإنترنت. إنها ليست قراءة مسلية تمامًا؛ فهي من بدايتها إلى نهايتها ليست سوى أربعة أحرف تتكرر مرات ومرات مع اختلاف في الترتيب. إنها طويلة بما يكفي لملء مائتي دليل هاتف. ومع ذلك، فإن الكود الجيني يمثل في نظر البيولوجيين شيئا راج رواجًا عظيمًا. وترمز الأحرف الأربعة إلى كيماويات الدنا DNA التي تشكل جيناتك كلها، تلك التي تؤثر في طريقة مشيتك وتحدُّثك وتفكيرك ونومك".
أضيف؛ أن الثمار المتوقعة من الانجاز، أكثر من أن يمكن حصرها، إذ يشكل ثورة في العديد من المجالات، ما بين استنبات الأدوية، الأعضاء التعويضية، الأغذية والزراعة، وحتى نعي تأثيره في الأخيرة تحديدًا، يكفي القول أن عام 2009م وحده، شهد زراعة 11 محصولا مُعدل وراثيًا، بـ 25 دولة.
فيما بعد تعقد المجال أكثر، وتحول إلى علم قائم بذاته، يسمونه بالتكنولوجيا التخليقية، صحيح أنه لا يزال يحبو في أيامه الأولى، إلا أنه حقق بعض الانجازات المذهلة على مستوى الكائنات وحيدة الخلية.
أذكر أنني قرأت عنه ملفًا مفصلًا بتلك الدورية التي رافقتي أعوامًا طويلة بداية شبابي، وأعني مجلة (العلم)، الصادرة عن المركز القومي للبحوث، تطرق الملف إلى تعريف التكنولوجيا التخليقية بأنها؛ تصميم وبناء أجزاء بيولوجية جديدة، أو إعادة تصميم النظم الحيوية القائمة، مما سيمكننا من إنتاج وتطوير الحيوانات الأليفة التي نربيها، والنباتات التي نزرعها، حتى أجهزة الكمبيوتر؟
وتقول عنه د.(بام سيلفر) أنه واعد في إيجاد بعض أشكال الحياة الجديدة، وتعطى مثال: "أجهزة الكمبيوتر البيولوجية، يقول البعض أنها سوف كون بطيئة للغاية، لكنها ستكون قادرة على تكرار نفسها "التكاثر بنفسها" وبالنسبة لى فإن الأمر ليس بناء، بل إثبات إلى أي حد يمكن للإنسان أن يمضى فى توسيع حدود ما تفعله الطبيعة".
=
لتحميل كتاب (نبوءات الخيال العلمي) كاملًا.. من (هنا). 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة

"