الأربعاء، 25 يناير، 2017

ما تيسر من مصائب معرض القاهرة للكتاب 2014م

يقولون أن الإشارات الصغيرة في البدايات، تعكس شكل النهايات
بدأ اليوم بألم داخل اصبعي، صحبه تورم خفيف. 
تعجبت من أن يمنعني جرح تافه كهذا من النوم، فبحثت عن أى آلة حادة، متذكرًا نصيحة الأجداد:
- يدك التى توجعك، اقطعها.
تقرر فى اللحظات الأخيرة أن البتر حل جذرى أكثر من اللازم، ولا شك أن ضيوف حفل التوقيع، سيتساءلون: أين أضعت إبهامك الناقص؟؟!

أخذت أعبث بالمقص فى الجرح المنمنم الذى وجدته أسفل أظفرى، وبحمد لله تحسن الأمر نسبيا. 
الآن.. تأكدت أن لى خبرة لا بأس بها كجزار.
استيقظت فى السادسة صباحًا لموعدى مع المطبعة فى الثامنة، أكد لى صاحب المطبعة أن وراء الحواس جاهزة صباحًا، ويمكنني المجيء لاستلامها، قلت له بطريقتى الودود المعهودة:
- حضرتك تكرر نفس الكلمات -يوميًا- منذ السبت الماضي، فـ -لا مؤاخذة- ما الجديد الذى يجعلنى أصدقك هذه المرة؟!
أقسم الرجل -بالله العظيم- أنها ستكون جاهزة، مما ألجمنى تمامًا، وعجزت عن تكذيبه مع أن كل شيء يوحي بالعكس.
فيما بعد، أخبرني أصدقاء بأنني ساذج، إذ تعين عليّ تغيير المطبعة عندما تأخر الوقت قرب حدود دائرة اللارجعة.
- لكنه أقسم!
- وماذا في ذلك؟ عيبك أنك بلا احتكاك مع السوق، من العادي جدًا أن يحلف الصنايعي بأغلظ الإيمان، ثم يخلف موعده.
أحمد الله أنني لم ألتق صاحب المطبعة وجهًا لوجه، فقد ذقت للمرة الأولى معنى أن؛ القتلة لا يولدوا آثمين كما تصوّر الأفلام، بل من الوارد جدًا أن يتحول أي شخص عادي إلى قاتل في لحظة.
المهم، حاولت إنقاذ الموقف، وطباعة أى كمية فى مطبعة أخرى، يؤرقنى بشدة ألا أوفى بكلمة قطعتها، تبًا، لقد وعدت الجميع أن المطبوعة ستكون موجودة من يوم كذا، المشكلة ليست فى المطبوعة ولا النشر ولا .. ولا.. المشكلة فى "الكلمة" فى حد ذاتها، لا أستطيع مسامحة نفسي على الإخلال بالتزام أعلنه لساني.
إذن ماذا أفعل؟!
هل أنتحر؟!
يبدو حلًا غير عملى، إذا أننى لم أنه الرواية التى أكتبها عن (الأمازونات) بعد.
فكرت للحظات أن أعتذر عن حفل الأمسية، فقد خجلت من عدم إيجادي رد، في حالة لو سألني الأصدقاء عن (وراء الحواس)، التى أكدددددت وأغلظت فى التأكيد أنها ستكون موجودة فى الموعد)؟!
وجدت مطبعة أخرى في آخر لحظة، لكننى لم أجد بها ورق جرائد. 
سألت أين يمكن شراء ورق، فقيل لى: فى الفجالة، أو بولاق تقريبًا. 
استفسرت -إذا أمكن- أن تجلب المطبعة الورق بنفسها، وأحاسبهم على التكلفة كاملة، فوجهت لى نصيحة مخلصة أن هذا سيخرب بيتى بتكلفة باهظة.
ذهبت إلى حفل (الأمسية المظلمة) بنصف تركيز، مضمرًا المغادرة
إلى الفجالة مباشرة بعد اللقاء، لأنقذ ما يمكن انقاذه، زاد الطين بلة نتيجة تأخر الحفل قليلًا لأسباب خارجة عن إرادة الجميع، أذكر أننى كنت أتحدث فى التليفون بأعصاب محترقة، بينما تتحرك يدى الحرة انقباضا وانبساطا، تلك اللفتة الغريزية التي تنتاب المرء، عندما يتمنى خنق أحدهم.
فجأة طرق أذني صوت أنثوي:
- اهدأ، التقط أنفاسك، حاول السيطرة على أعصابك. 

آنسة فاضلة قالتها بشكل عابر، بينما تكمل طريقها، فتحول غيظي إلى رغبة مفاجئة في الضحك:
- أإلى هذا الحد؟ هل وصل بي الحال، إلى تلقي محاضرات تنمية بشرية من المارة
؟!
محاولة لالتقاط الأنفاس، بمساعدة سيجارة من الزميل (عمر عباس)
في النهاية، تم الحفل على خير، نظرت حولى، فوجدت أن أغلب الموجودين هم رفاق قدامى، هذا هو العامل الوحيد الذي منحني شيئًا من السلام النفسي، الذي طالما افتقدته منذ بداية اليوم.
وصلنى اتصال من خالى أن حركة القطارات مقطوعة، بالتالي.. لن أتمكن من العودة كما كنت أزمع.
تعجبت من نفسي أنني تلقيت الأمر ببساطة، ربما لأنني مرت بمختلف أشكال "الأسوأ"، حتى وصلت لنوع من التبلد.

بالإضافة لعنصر آخر مهم، تحدثت عنه منذ دقائق.
لحظات الحفلة نفسها.
إذا أحاطت بك ابتسامات الأصدقاء حيثما وليت وجهك، ابتسامات مودة قادرة على غسل الروح، فبأي شئ تأبه بعد ذلك؟!

                                            ********* 
وجدت التدوينة ضمن ذكريات الفيس لعام 2014، حول آخر معرض كتاب حضرته حينها.
فقررت نقلها إلى (بلوجر)، مع إضافة ما تلاها من أحداث، لإكمال الصورة.
- انتظمت حركة القطارات، وسافرت في الموعد المحدد بحمد الله.
- نصحني ناشر صديق بأن أعود إلى أسوان دونما قلق، وسيتولى هو أمر إيجاد مطبعة لـ (وراء الحواس).
(محمد المصري) مدير دار (الرسم بالكلمات).
وبالفعل.. تواجدت الجريدة في المعرض خلال يومين.. المفاجأة كانت في اسم المطبعة.
أخبرني أنها طبعت عند نفس الرجل الذي أحنث بيمينه سابقًا.
ما حدث أن الأخير اتصل بـ (المصري) في نهاية اليوم، باعتباره صديق مشترك، ونقل لي اعتذاره، واستعداده لانجاز المطلوب، بل وسينفذه على ورق أبيض، وليس جرائد، كترضية على تأخره الطويل.
لم يشأ المصري أن يخبرني مباشرة، لأنه -والكلام لا يزال على لسانه- تنبأ برد فعلي إذا سمعت اسم ذاك الرجل مرة أخرى.
لأول مرة التمس شئ من العذر لمن يعمل بمهنة النشر، على تأخر المواعيد.
أول مرة أواجه مشكلة من هذا النوع، ولم تكن الأخيرة للأسف.
ها نحن في 2017م، ورغم أنني أرسلت عدد (لأبعد مدى) للمطبعة منذ نوفمبر الماضي، للأسف لم استلمه بعد حتى الآن.
المعرض غدًا، ولم تنته بكل أسف.
متأكد أن المشكلة سيتم تداركها في خلال ساعات، لكن.. ما علينا.
عمومًا، أحاول تناسي أي تعثرات جانبية، والتركيز فقط  على استعادة نفس الترياق السابق.
- أصدقائي.
أعمل على حجز التذاكر، وقد ساعدتني الظروف على الحضور هذا العام، لأول مرة منذ 2014م، أحاول تخيل الأوقات الرائعة التي بالانتظار، بصحبة الرفاق الذين أوحشوني كثيرًا.
هذا هو الشئ الوحيد الذي يستحق أن أفكر به حاليًا.
كل معرض وأنتم بخير.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة

"