الجمعة، 27 يناير، 2017

الفصل الأول من رواية الخيال العلمي (قربان)، حاليًا بمعرض الكتاب 2017م |




-هل ارتفع التلفريك؟
كان هذا التساؤل هو ما يتصدر المانشيت الرئيسي لأفكاره، ويبدو أن زملاءه كذلك، لأنه شعر بهم تجمعوا وراء ظهره.. لكن للأسف.. خاب ظن الجميع..
الدليل البصري البديهي على ارتفاعك، أنك سترى الأرض تحتك تبتعد.. وهو ما لم يحدث..
فقد بقيت الأرض الصخرية.. تهتز نعم.. لكنها متشبثة على نفس المسافة.. وانتهت الرجفة إلى لا شيء..
تقع محطتهم على أرض (فيستا)، أحد أفراد عائلة حزام الكويكبات، أبرز ما في مدار (فيستا) البيضاوي أنه ذو معامل اختلال، يسبب هذه الهزات.
أيّ أنها ليست المرة الأولى التي يظنون فيها صعود للتلفريك، ثم يتضح أنه بشير زائف.
عاد الجميع أدراجهم تباعًا، يجرجرون أقدامهم واحباطاتهم، عدا متيم، تشبث بمكانه أمام النافذة.
يستقر منزلهم الجديد فوق تربة جرداء قاسية، يخرج أعلاها شعاع طاقة يصلها إلى قمة الجبل المواجه، وكأنهم –بالفعل- داخل.. "تلفريك"، لو أن هناك تلفريك قد يصل إلى حجم مبنى من طابقين.
حول الشعاع، يتسلق –باستمرار- عدد من الكائنات الشفافة لها قوام أقرب للبشر؛ يتحركون بدءً من سقف التفريك فوق (متيم)، ثم عدة أمتار سويًا،  وأخيرًا يطيروا معانقين الخيط، حتى يصلوا معه إلى القمة.
أما البيئة المحيطة.. فخواء تام.. لا يوجد أي مظاهر للحياة على امتداد البصر، مظهر الحياة الوحيد المنتظر، قد يتجلى فوق قمة الجبل بأي لحظة، قادمًا من كون آخر، وهي زيارة لا يتمناها أحدهم في الواقع.
صوت (ليلى) الرفيع المرح:
-"أخشى أن يلتصق أنفك –يومًا- بالزجاج، فنعجز عن تحريره".
الضخم (هانز)، بجدية تمثيلية:
-"حذار يا ليلى، فقد قال منذ دقيقة أنه يكره المزاح".
العجيب أن (متيم) تقبل دعابة ليلى، بعكس ما حدث مع (أولفي)، دون أن يفهم هو نفسه سبب التناقض، ربما لأن نبرتها الرفيعة تذكره بمطربة يحبها، أو لأنها –ببساطة- أنثى وكفى.
نظر إليهما عبر السطح المنعكس، وأخبرهم أنه:
- لا يوجد هزل أكثر مما نحن فيه منذ أسابيع.
كرر الصوت الأنثوي بفضول:
-اخبرنا صحيح، لماذا تدمن البقاء أمام النافذة هكذا؟
عجز عن إخبارها كيف يراه تعويضًا عادلًا؟
إبان الكارثة المناخية الكبرى، قضى شهورًا طويلة في مخبأ آمن، وفي كل مرة يضيق صدره ويتجه إلى الستارة كي يزيحها، فجأة.. يتذكر أنه على عمق مئات الأمتار تحت الأرض، وعندما خرج من المخبأ أخيرًا، قادته الظروف إلى أيام –كالدهر- قضاها في أعماق بحر الشيطان باليابان.
أي أنه قد جرب كل أنواع "الأسفل" على ظهر الأرض، لذلك من الطبيعي أن يتشبث بنصيبه هنا بـ "الأعلى"، حتى لو جاء متمثلًا في نافذة على الكويكب (فيستا).

-"يقولون: الالتصاق بالنافذة، هو الحد الأدنى/ الأسهل من ممارسة التصوف، وأي تصوف أفضل من تأمل النعمة، أفضل نعمة حصل عليها البشر؟"

أقرب إجابة أمكن لـ (متيم) ارتجالها، وتصور أنها ستبدو عميقة لدرجة ستسكت رفاقه، وهو ما لم يحدث للأسف، إذ عاد صوت (ليلى) المندهش، يلاحقه:
- أي نعمة تقصد؟
أشار –صامتًا- إلى الكائنات الزجاجية التي تتسلق الحبل، بما معناه: وهل هناك غيرها؟
وَصَلَ (هانز) خيط تعجب الذي بدأته زميلتهم:
- بسبب خطأ -غير مفهوم- من هؤلاء الزجاجيون؛ انتزعونا خارج الأرض كليًا، ليلقوا بنا إلى هنا، عالقين وسط قدر لانهائي من الاحتمالات القاتمة.. ثم تقول أنها نعمة يا (متيم)؟
- ألقونا بنا إلى هنا لأن نشاط القادم –وأشار إلى قمة الجبل- جذبهم، في النهاية من يمكنه لوم كائنات غير عاقلة!
حقك أن تتذمر منهم يا (هانز)، مع الوضع في الاعتبار أن الزجاجيون كانوا –طوال الوقت- شاهدًا ومتهمًا، وليسوا مجرمين أبدًا، ؟ فأميل –فقط- لشكرها، إنهم كائنات من عالم آخر أهداها لنا القدر، ظننا طويلًا أنهم يريدون الاستحواذ على أجسادنا، ثم اتضح أن العكس صحيح، نحن من يمكنه تلبس أجسادها.
اتهمناهم أنهم معتوهين بسبب هجراتهم المستمرة للانتحار الجماعي بمناطق معينة؛ فاتضح أنهم يهوون –فقط- السفر المتواصل من/ إلى مناطق العذاب النفسي، وبفضل تتبعهم.. عثر العلماء على السبب الحقيقي لانعكاس أقطاب الأرض، فهل يُلام الزجاجيون على كل الوجع الذي سببناه/ نسببه لبعضنا كبشر؟
تلقى هانز كلمات زميله بسكون، خالي من أي رد فعل، مما جعل متيم يكمل:
- لا أعتقد أن أحدًا يستطيع الإدعاء بنعم، هم خليفة غراب قابيل، مع اختلاف أنهم لم يعلمونا تورية جريمتنا، بل على العكس، أزاحوا التراب ليواجهوننا بها، وأعتقد أنه أكثر شيء احتجنا إليه في هذه الحقبة، على الجانب الآخر، كلنا كنا شديدي الظمأ لفهم سبب الانقلاب المناخي، فأخذ الزجاجيون بأيدينا –جميعًا- إلى الإجابة، أتساءل أحيانًا: هل كنا لنستطيع معرفة الحقيقة بدون ظهورهم؟ لا أعتقد.
تدبرت (ليلى) آخر كلمات (متيم). اعترفت داخل سريرتها أن كلامه صحيح غالبًا، لولا الهجرة الغريزية للزجاجيين إلى تلك المسارات، لما علم أحدهم شيء عن كل ما سبق!
ربما (متيم) محق، يجب أن تشغلنا موباقتنا عن لومهم، إذ أن جميعًا كبشر استمتنا في التعجيل نهاية الأرض دون أن ندري.
ثم أن الجميع هنا "رسامي خرائط"، تلك المهنة المستحدثة بفضل الزجاجيين، ومنها يتقاضون مرتباتهم.
ارتفع صوت (أولفي) لأول مرة منذ مزحته مع متيم، فخرجت نبراته محايدة جادة على غير عادته:
-لدي وجهة نظر أخرى: هل كان من الصحي أن نعرف أصلًا؟ أما كان من الأفضل لو تركنا الزجاجيون نظن أننا بخير، أن الأوجاع التي نسببها لبعضنا البعض تذهب بدون عواقب، بالتالي؛ ما انقلاب انعكاس الأقطاب إلا قضاء وقدر أصابنا معشر البشر الأبرياء! لا أتفق معك أيها المصري، ربما لا نلومهم.. لكن ليس لدرجة اعتبارهم كنعمة.
مال (ليلى) و(هانز) للاتفاق معه، أما متيم، فلا يوجد منطق يستنكره في العالم، أكثر مما قاله الفرنسي، إذ يفترض أن البشر وصلوا لذروة التقدم، فكيف يتسق ذلك مع جبن البعض من "أن يعرفوا"؟
لم يشأ (متيم) إوجاع زميله -مرة أخرى- برد قاسي، حيث لا يرغب في حدوث انعكاس أقطاب لـ فيستا أيضًا! 
-
عن دار بصمة للنشر والتوزيع
السعر: 20 جنيهًا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة

"