الاثنين، 5 ديسمبر، 2016

محمد عبد السميع.. رحل..


في الصعيد، تجعلنا الدهشة نتحدث أسرع.
عدا محمد..
عندما كنت أفاجئهم بزيارة في الأقصر، على العكس تمامًا، تفلت منه كلمة ترحيبية بطيئة:
- ياسـ سين.
له طريقة مميزة/ مبهجة في التوقف عند حرف السين، لا أنساها أبدًا.
محمد هو أحد أبرز أساتذتي في الفن التشكيلي، هو وبقية رجالات مركز (آرت هوم)، ولما يأست من أن أكون رسامًا محترفًا يومًا، قررت استثمار الفرصة بالطريقة التي أعرفها، وكتبت رواية مستوحاة من أجواء الفنون هناك، حتى الشخصيات الرئيسية مستوحاة منهم.
البطل الرئيسي.. رسام له تركيبة نفسية خاصة.. لا أعلم هل كنت أكتب بينما أستوحي من من محمد.. أم مني..
فنحن متشابهين جدًا في الكثير من الصفات.
محمد اعتاد أن يتوقف عن الرسم، ويحدثني عن الملل والفتور الذي يمر بنا -جميعًا- كشباب من وقت للآخر.
محمد يرى -مثلي- أن اغتسال أرواحنا يمكن الوصول إليه بحل بسيط. رحلة.. ويا حبذا لو كانت للاسكندرية.
في الرواية، البطل يطيل الشعر، ويضطر للتعرض بأنه قد يتحدث مع زملاءه في موضوع، فيجدهم يبترون كلامهم فجأة:
- بالمناسبة.. احلق شعرك.
ويعودون لتتمة حديثهم بطريقة عادية.
أنا شخصيًا لم أمل من تكرار هذه المزحة، فنقلتها للرواية بحذافيرها.
قبل نشر العمل، كتبت إهداء لكل أهل (آرت هوم)، ثم اضطررت للحاق بالعمل قبل نشره، لإضافة استدراك أخير.. كلمة عزاء.
فقد توفيت أحد عضوات (آرت هوم) الأوائل، اسمها (مروة)ز
شخصية جادة جدا، شعلة نشاط في أكثر من مجال، وهي أحد الأعضاء المؤسسين لحزب الدستور بالمناسبة، ورغم أنني لم ألتق بها كثيرًا، لكنني لا زلت أتذكر ما يصلني صدى حديثها أثناء العمل، عن الفن.. الليبرالية.. الحرية..
أتذكر أن محمد من نقل لي الخبر تقريبًا، نقله لي بكلمات بطيئة كعادته عن تلجمه الدهشة.
اليوم.. استيقظت غير مصدق.. على خبر رحيل جديد..
محمد مات!
عندما يتوفى من هو في مثل سنك، تعاني كثيرًا في التعايش مع هذه الفكرة!
بل وتشك أن ما حدث قد حدث.. لتعيش حياتك بطريقة عادية، خصوصا عندما يحدث ذلك في بلد آخر.
ستظل حتى آخر لحظة معلقًا أمالك أن ثمة خطأ ما.. أتمزحون؟ مات فعلًا؟
عزائي الوحيد.. أنه حقق حلمه، ورأيت -على صفحتي الرئيسية - صورًا له في شاطئ الاسكندرية منذ شهور.
هللت مهنئًا، وإن نسيت معاتبته -كالعادة- على أنه لم يحلق شعره.
سأفعل عندما أزور الأقصر في أقرب زيارة، لكن.. أخبروني هذا الصباح أنه رحل!
هل يعنى هذا أنني سأذهب إلى هناك، وأدفع الباب الزجاجي، فلن أجده على المكتب بالأعلى، أو أسمع:
- ياسـ سين.
بنفس طريقته في التوقف عند حرف السين.
لا إله إلا الله.
لا نقول إلا ما يرضي ربنا.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
ادعو له بالرحمة.
وادعو لنا كذلك.. أن...
لا حول ولا قوة إلا بالله.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة

"