الاثنين، 17 أكتوبر، 2016

الخيال العلمي.. أمن قومي..

الاسم: كليف كارتميل.
الجنسية: أمريكى.
المهنة: كاتب خيال علمى.
لائحة الاتهام: التجسس+ انتهاك وإشاعة أسرار تمس الأمن القومي.
 ***
قام مكتب التحقيقات الفيدرالي بضبط وإحضار المذكور أعلاه، ثم وضعوا أمامه على الطاولة دليل الإدانة، المتمثل في قصته القصيرة (الموعد النهائي Deadline).
تتحدث القصة عن قنبلة لها قوة انشطارية عالية التدمير، وقادرة على إنهاء الحرب، الأدهى أن (كارتميل) يصف ببصيرة عجيبة شكلها، وتأثيرها، إلخ.
تخيلوا كم عاني الكاتب كي يقنعهم ببراءته، وأنه لا يعرف شيئًا عن (مشروع مانهاتن) -الذي جرى حينها تحت ستار سرية مطلقة-، ولا عن كونهم قطعوا شوطًا من تنفيذ الفكرة بالفعل، فيمن سيطلقوا عليهم لاحقًا: (أداة الثالوث)، (الولد الصغير)، (الرجل السمين)، "أسماء القنابل الذرية التي تم انتاجها واستخدامها".
لحظة، إننى حتى لست الأول الذي يتنبأ بشيء كهذا، سبقني هربرت جورج ويلز منذ ثلاثين عامًا في روايته (العالم يتحرر The World Set Free). 

********


حدثت القصة السابقة خلال أوج السنوات الغائمة ببارود الحرب العالمية الثانية، تحديدًا 1944م، وتعمدت البدء بها، لأن البعض ربما يستقبل الربط بين شطري العنوان أعلاه، على أنه دربًا من المبالغة.
(الخيال العلمي.. أمن قومي)
أقول: ربما.. مع أن المعادلة تبدو واضحة، الأمن معنى بالمعلومات +استقراء المستقبل، وكما نرى؛ الخيال العلمي مصدر خصب لكلاهما، منذ ميلاده.
منذ اللحظة التي تغير فيها العصر، وشغر مقعد المنجم الذي كان لا غنى عنه في بلاط كل ملك، مما استفز الحاجة لبديل عصري يسد الفراغ، بديل يوفر استقراء يطمئن القلوب تجاه مصدر التهيب الأكبر في حياة الجميع.. المستقبل.
ينسب إلى عالم الاجتماع (جليفان) عام 1907م أنه أول من استعمل مصطلح (Miloontologie) (أحداث المستقبل).
أما عن ميلاد مصطلح "مستقبيليات" كأقرب بداية  لأن يكون فرع علمي مستقل، فيعود إلى الألماني (فليتشتايم) عام 1949م، حيث عنون به كتابه "التاريخ وعلم المستقبل".
لاحظوا أننا هنا نتكلم عن الخيال العلمي بمعناه العام، كدراسة أسلوب تفكير، أكثر منه إنتاج أدبي وفني.
جاء الدور على الرائد الأسطورة (هربرت جورج ويلز) ليدلى بدلوه، فصاغ مقالات مسلسلة بالصحف، أعاد جمعها ونشرها بين دفتي عمل معجز واحد  أسماه التوقعات (Anticipations)، استشرف فيه أحوال العالم بعد قرن من الزمان.
أخطأ ويلز في بعض نبوءاته البعض، لكنه أصاب بدقة شديدة تدعو للدهشة فى بعضها الآخر،وتنوعت هذه النبوءات ما بين تكنولوجية وسياسية واجتماعية، فتوقع إنشاء اتحاد أوربي، وذوبان الأخلاقيات في مقابل زيادة الحريات الجنسية، فضلًا اندلاع الحرب العالمية الثانية عام 194م، وبدأت بالفعل سنة 1939م، أي أنه أخطأ في عام واحد فقط. 
وفى أحيان أخرى، نجد أمد العسل قد انتهي، وتتغير النظرة إلى كاتب الخيال العلمي من مساند للأمن القومى ، إلى مهدد.
ليس (كارتميل) المثال الوحيد في هذا الصدد، توجد رواية (1948) لـ (جورج أوريل)، والتي تتحدث عن مدينة مستقبلية تظلها سلطة قمعية، وعن الأخ الأكبر الذى يراقبنا جميعًا، مما دعا هذا الأخ في عديد من الدول لحظر تداول الرواية على أراضيهم.
ثم لم يلبث شهر العسل أن يتجدد مرة أخرى، إذ لا غنى عن الخيال العلمي كرافد لاستيحاء الأفكار، لعل أبرز أمثلة ذلك مؤخرًا، إنجاز إدارة الأبحاث العلمية بالبنتاجونDARPA" " ، حيث استلهمت من فيلم Aliens تقنية زى عسكري مبتكر، فى نقطة تفاعله مع حركة الجندي.
أما في الوطن العربي، لا يوجد  لدينا اختراع أو استشراف مستقبلي أو حتى أمن، وكنت لأتعايش مع ذلك الحال لو أنه مستشري لدى طبقة المسئولين فحسب، لولا أنني أتذكر موقف للزميلة الإماراتية (نورة النومان)، حيث روت عن ورشة كتابة لليافعين أجرتها يومًا، وفيها اقترحت طفلة أن تكتب عن المخلوقات الفضائية، فاعترض صغير آخر أن هذا حرام، لأنها غير موجودة، واستدل على كلامه بأنها لم تذكر في القرآن.


لا يزال ذاك الموقف يلح في ذهني من وقت لآخر، مقترنًا بعبارة (روجر زيلاني):

-"في القرون الوسطى كانوا سيعتبروننا فلاسفة دينيين، وعلى الأرجح سيحرقوننا أحياء".

*************

يفترض أننى كنت سأختم المقال عند السطر أعلاه، وبدأت فى إرسال الملف بالفعل، ثم أحجمت.
لا أريد أن تكون الكلمة الأخيرة للتشاؤم والرؤى المقبضة.
لذلك سأتحدث عن بيوم حضرت ندوة حاضر فيها الكاتب الكبير صلاح معاطى، وتحدث عن الجائزة التى شارك فى إطلاقها باسم أستاذه وأبيه الروحى رائد أدب الخيال العلمى العربى نهاد شريف، وقال أن الأعمال التى وصلته أعدادها كانت كبيرة لدرجة مدهشة، ومن كل أنحاء الوطن العربى، أما الجانب الأكثر إدهاشًا فخص كونها من كل الأعمار كذلك، ووضح أن أعمالًا واعدة متكاملة الأركان، مكتوب فى بيانات أصحابها أنهم دون الـ 18 عامًا.
للأسف، الجائزة اقتصرت على دورة واحدة، وتوقفت شأنها شأن جائزة د.نبيل فاروق من قبلها، وشأن كل  مبادرة فردية فى الخيال العلمى، للأسف؛ لا تجد من يدعمها كالعادة و...
أجدنى أسقط فى فلك الجانب المظلم مرة أخرى، كلا، لن أستطرد فى هذه النقطة، وأكتفى بذكر:
عبد الصمد الغزوانى فى المغرب، أشرف فقيه فى السعودية، وائل رداد وحسن الحلبى فى الأردن، محمد قرط الجزمى فى عمان، نورة النومان وشيماء المزروقى فى الإمارات، عبد الرحمن الطرابلسى وحنان كنعان فى الكويت، أحمد فريد، ياسر أبو الحسب، ابراهيم السعيد فى مصر.
باختصار؛ نحن كُثر، وموجودون فى كل مكان.
وحيث يوجد الخيال العلمى، يوجد أمل، أو هكذا أصر أن أرى على الأقل.
وليس أدل من موقف تكرر، أثناء تواجدى فى غرفة تحرير مجلة ومضات، وومضات دورية إلكترونية متخصصة فى أدب الخيال العلمى والغرائبيات، ومن أبرز أعمدتها السورى د.سائر بصمه جي، واليمنى م.عبد الحفيظ العمرى.
مطلع العام الماضى فكرت أنه؛ نظرًا لظروف بلديهم، قد يتوقفا عن إرسال مقالاتهم الشهرية، ولو مؤقتًا حتى تستقر الأمور نسبيًا، وبدأت منطقيًا أفكر فى بدائل لسد الفراغ، لكن..فاجئنى كلاهما باستمرار انتظام مقالاتهم.
لا أن أتوقف عن استحضار ذلك الموقف لما يحمل من دلالة.
عندما أرى عبر نشرات الأخبار صورًا لليمن وسوريا غائمة بالقصف والأنقاض، بقدر ما أتوجع، بقدر ما تبقى لدى جذوة أمل، إذ يوجد هناك بين هذا الدمار، أشخاصًا لم يتوقفوا عن الكتابة حول العلم والغد والمستقبل.

************

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة

"