الأحد، 30 أكتوبر، 2016

قيامة (عطارد)

ماذا لو أن القيامة قامت بالفعل، وأن ما نعيشه في مصر هو الجحيم بعينه؟!
اختار المؤلف أن يعلن عن نفسه ببداية صادمة للغاية، أب يقتل زوجته وأولاده، ثم يجلس في هدوء كي يأكل لحومهما، بالصلصة والمقبلات.
تدور الرواية في خطين متوازيين:
- يناير 2011: بما يحمله هذا التاريخ من دلالة.

-القاهرة 2025: عندما تم احتلال مصر من قبل (جمهورية فرسان مالطا)، فتصدت له مقاومة منظمة تكونت من رجال الشرطة السابقين.

وبينما قتل الاحتلال بضعة مئات الآلاف، تسبب من يسمون أنفسهم  بـ"المقاومة" في سفك دماء ثلاثة ملايين.
تمارس الرواية سباقًا مستمرًا في منحك أكبر قدر ممكن من الكابوسية.
وهو الأمر الذي أتخيله عصيًا على أي كاتب عادي، ويحتاج إلى موهبة خاصة.
عصارة المادة الخام من السوداوية/ القسوة/ النقم/ الفحش، تلك المدرسة من الكتابة التي تذكرني مباشرة بكافكا وتشاك بولانيك، ومن الجيد أن صار لها المدرسة ممثلين في الوطن العربي.
المتميز أن ربيعًا لم يكتفي بتقديم واقعية قاسية، بل منحها مسحة من الغرائبية، تتضح مثلًا في المرض الغريب لزهرة، بالتئام شفتيها وجفنيها وفتحة أذنيها، حتى صار وجهها كرة بلا معالم، وفي استقبال أهل المدينة للموت بلامبالاة، بل وترحيب، ثم أعلنت الغرائبية الجحيمية عن نفسها بشكل رحب في الجزء الأخير.
ذاك الجزء الذي يضيئ لنا -بشكل متأخر- مغزى التناقض أن يحمل البطل الدموي اسم "عطارد"، ويختار لنفسه قناع بوذا، بينما يلقب زميله في المقاومة باسم "القديس"، في ظل اشتراكهما معًا في رحلة الوحشية المقدسة.
يعيب الرواية في رأيي تفرعها فى مسارات جانبية، ربما هو حماس من الكاتب في رسم عالم كلي كاتم، لكنه  زاد عن الحد فى بعض الأحيان، على سبيل المثال، لو أزلنا قضية افتتاحية آكل عائلته بأكلمها، لا أظن أن ذلك كان سيؤثر على السياق العام لذرة.
وفي المقابل، أثمن مجهوده في بناء التفاصيل، حتى المساءل الصغير للغاية في عالم ما بعد الاحتلال؛ كـ (الصراصير)، (الكربون)، (الأقنعة)، رواية متميزة ضمنت لنفسها أجواء مختلفة تمامًا، ولم يكن غريبًا أن تجد طريقها لقائمة البوكر، وربما استحقت ما هو أكثر أيضًا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة

"