الأربعاء، 5 أكتوبر، 2016

عودة البالطو الضال

ليلة الأمس.. يُعد رابع أبهج أيام حياتي.. كفني أشعة.
(الثلاثة السابقين على الترتيب: مفاجأة الحصول على ترتيب الثالث على الدفعة/ استلامي التكليف بالمستشفى الدولي/ دخولي الحمام أخيرًا، بعد أن ظللت صامدًا مناضلًا لنصف ساعة كاملة، حيث كنت قائمًا على فحص أشعة يستلزم عدم الغفلة عن الجهاز أو المريض ولو لثوانِ).
بالأمس.. فتحت أحد الأدراج -بالمصادفة- كي ألقى فيه ورقة الفحس التي أعطاني المريض إياه.
فإذا بي أجده راقدًا بالداخل فى وداعة.
إنه هو.
البالطو الأبيض الذي فقدته منذ شهور، وقلبت الأرض بحثًا عنه.
ذلك البالطو الناصع الجديد، الذي تحسرت كثيرًا على غيابه، خصوصًا أنه جديد وطازج، فلم يكمل معي 8 سنوات على بعضهم.

 


- " لا أصدق عيناي"
- " لا يمكن".
(هذا مستحيل).
الجملة الأخيرة لم تكن لي، بل خرجت من فم الولد الصغير، وواضح والله أعلم أنه يسخر منى.
- من أنت أصلًا يابنى؟
تذكرت شأنه قبل أن يجيب حتى، إنه المريض الذى أعطاني الورقة، وبسبب وجدت البطالو.
طفل لم يتجاوز المرحلة الإبتدائية على أقصى تقدير، وبجواره شخص فى المرحلة الثانوية تقريبًا، لكنه كان يطابقه فى الملامح بشكل غريب.
- توأم؟ أليس كذلك؟
قد يخطر لى رد منطقى على هذه:- كيف يكونا توأمًا، وبينهما فارق عمر يزيد عن 10 أعوام؟
- (بشك) مممم لكن الملامح متطابقة؟ ما علينا.. اتبعنى يا فتى.
ارخ ركبتك تمامًا، إلى اليسار قليلًا.. نعم.. اثبت هكذا.. اللقظة الثانية.. نم على جانبك الأيمن.. كلا.. نم بالكامل.. لن تخدع أحدًا بمجرد هذه الإمالة البسيطة.. جيد.. ضع ركبتك اليمنى أمام اليسرى.. لماذا لا تفهمنى أيها الصبى؟ حسنًا.. سأبسطها لك.. فلفعل بالضبط كما تقول الرسمة فى الكتاب.
- أى كتاب؟
- الـ.. الكتاب.. إنه معروف.
معنى الاحباط من الشرح أكثر.. كي لا يعمله؟ الكتاب.. المقرر .. الترم الأول.. تلك الصفحة على اليسار..
عمومًا، لا بأس.. مصر بها نسبة أمية نحو 40%، العجيب أنني وجدت عبد الرحمن (اسم الصبى المريض) يضحك.
ألا يكفى يا عبده أنك تجهل بأمر الكتاب، ومع ذلك لديك القدرة على الضحك؟
أنهيت الأشعة، ثم وجدت رئيسى فى وجههى، فانفجرت على أقل تقدير:
- أنا؟ أتجرؤا على سرقة البالطوا الخاص بى أنا؟ من فعلها؟ اخبرنى من فى القسم فعلها؟
- البالطو موجود فى الدرج عندك منذ شهرين.
- لقد بحثت عنه فى كل مكان، فى قسم الأشعة الآخر حتى.
- ألا تسمع؟ قلت لك أنه فى مكانه "عندك" منذ شهرين. :)
- لا تغير الموضوع من فضلك، و.. لحظة.. مممم أتقصد أننى بحثت فى الاستراحة.. وفى القسم الآخر البعيد.. في حين فاتنى -طوال شهور- أن أبحث عنه درج مكتبى أساسًا!
شعرت أنني فقدت أفضليتى الهجومية المعتادة، وهو تقهقر -لو تعلمون- عظيم.
فسعيت لأى سبيل لتشتيت انباه الخصم، فجاءت الفرصة من خلال مرور الصبى المريض فى مرمى بصرى.
لوحت له باسمًا:
- هيه.. عبرحمن.. انتبه لنفسك جيدًا يا فتى.
جائنى صوته المبتهج من بعيد، بحيث لا تصدق أن هذا المرح لصبى يمتلك إصابة غير لطيفة إطلاقًا بالركبة:
- حبيبى يا داكتور.
عمومًا، دعكم من كل هذه الشكليات.
ما حدث قد حدث.. المهم هو عودة البالطو الضال.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة

"