الاثنين، 26 سبتمبر، 2016

من رواية (الأمسية المظلمة) حلقة 4:

(بحق الأسماء النورانية، والأنوار المضيئة، والإيماءات والصفات البهية، والساعات الشمسية والقمرية، بحق كل مارد وجن وقرين، بحق كل خادم ومطيع وأمين.
بحقك سيدي أينما كنت، وأينما ذهبت.
بحقك يا أبا مُرَّة، نفذت مطلبك وكنت خادمك وأحضرت مرادك أحضر سيدي، فالكل في انتظارك).
 
                                                 *******
ما أن انتهى الشيخ حماد من كلامه شعرت باختناق شديد، أعقبه صوت ضحكات عالية، ثم سكون تام.
حينها حاولت فتح عينيّ، فاستجابت لي أخيرًا.
قمت من مكاني مفزوعًا لا أرى شيئًا من الظلام الدامس، وظللت أصيح:
- ماذا يحدث ؟ أين أنت يا شيخ حماد؟
استغرق الأمر أقل من دقيقة، حتى سمعت صوتًا لا يشبه صوت الشيخ حماد، ينبعث من جميع الأركان حولي.
- اهدأ قليلًا يا مصطفى.
- من أنت؟ أين الشيخ حماد؟ هل تفعل كل ذلك لتقنعني بأنك ساحر؟ سيظل العلم يواجه خرافاتكم للأبد.
ساد صمت مجددًا، حتى سمعت الصوت يتحدث مرة أخرى:
- هل انتهيت الآن؟ يبدو لي أنك انتهيت، إذن لنتكلم.
أولًا: الشيخ حماد انتهت مهمته بإحضارك إلى هنا، أما أنا فكنيتي ( أبو مُرَّة)، أخالك كوَّنت فكرة عمن أكون، من معني الكنية.
ثانيًا: أعلم أن كل ما تقوله الآن هو هراء، لأن معنى حضوري هنا هو اقتناعك بي بنسبه مئة في المئة.
ثالثًا: ليس لدينا وقت، فدعني أذكرك بالمهم: أنت هنا منذ سنة تقريبًا، وهذا يعود لاتفاقنا الأولى بإمدادك بالمعلومات، أنت الآن حصلت على الماجستير الخاص بك بتفوق منقطع النظير.
سقطت على المقعد مذهولًا مما أسمع.
صحت:
- ما هذا الهراء الذي تقوله، لم يمضِ على وجودي في الغرفة أكثر من ساعة؟
حينها سمعت صوت الضحكات مرة أخرى، ثم أتبعها بالحديث، قائلًا:
- لقد كنت تحت سيطرتي التامة، وخرجت من هنا بعد لقائك بالشيخ حماد وساعدك بالمعلومات اللازمة لبحثك حتى انتهيت منه حسبما اتفقنا، ورجعت إلى مرة أخرى لنبدأ الاتفاق الأكبر، لن تتذكر أي شيء لأنك كنت مسلوب الإرادة تمامًا، يمكنك أن تغمض عينيك وسأجعلك ترى ما حدث.
لا أعلم حقًا لماذا أطعته.
أغلقت عينيّ، فتحولت المسألة وكأنني أمام شاشة عرض لحياتي.
رأيتني وأنا أسافر لأسيوط، رأيت لقاءاتي مع الشيخ حماد، مشاجرتي مع زوجتي، وأخيرًا شاهدت نفسي وأنا أناقش رسالة الماجستير.
حينها حاولت فتح عيناي ثانية، ولكنهما أبتا هذه المرة.
ثم سمعت الصوت من حولي يتحدث:
- يبدو لك الأمر الآن شبه منطقي، غدًا ستعود إلى كليتك، وتمارس عملك ولن تتذكر حديثنا، في حين ستنفذ ما سأقوله لك، وحين تنتهي ستعود إلىّ وتتذكر؟
أما هذه اللحظة، سأجيبك على ما يدور بخاطرك.
مبدئيًا: لست في احتياج لمساعدتك كما ترى، وإنما اصطفيتك لترتقي سلم المجد، وتكون "الشاهد"، الطريق إلى هذه المكانة عسير وطويل، ومفترش بالتضحيات.
بدأ اليقين يترسب داخلي بقدرات من أمامي، لم أعرف من أين جئت بهذا الاندفاع الجارف، الذي هتفت به:
- وأنا مستعد لها أيًا كانت.
- اخترتك من بين الملايين خصيصًا من أجل هذه الروح المخلصة.. يتبقّى أن تعلم القواعد، في عالم الظلام، والتي تنص أنه:
- لا ينال بشري القوة، إلا عن طريق انتزاعها من آخر، عليك أن تنزع السلطان من أحد أقطاب السحر الذين امتلكوه، وللمصادفة أحدهم الأقطاب تمرد، فاستحق القضاء عليه بأشنع تعاويذي، وستنال أنت ومكانته.
ومضت عينايّ:
-وأنا جاهز.
-تقول في عقلك (ما هذه السهولة)، في الواقع أنت مخطأ، إنها رحلة طويلة، مجرد وصولك إلى الساحر سيحتاج إلى تضحية عظمى؛ "زيت من دهن بشري".
- مـ..ماذا تعني بزيت بشري؟ وما علاقته بالـ..؟ أعني كيف أستعمله للوصول إلى ساحر؟!
- مجرد أن تقوم بالتضحية، ستظفر بالدفعة الأولى من المجد، (الدكتوراة، ورواية ذات شهرة واسعة).
بعدها تحتفظ بالزيت ليرافقك أينما ذهبت، حينها ستجد أثار خطى الساحر برزت أمامك من تلقاء نفسها، ولن يتبقى أمامك سوى درجة أخرى، وهي التوقيع بجوار اسمي الأعظم في عقد واحد.
اقشعر مصطفى وهو ينتقل إلى السؤال الأصعب:
- وكيف أجلب الزيت البشري ذاك؟
-كي يفلح الزيت في أن تقهر به قوة الساحر، يجب استخلاصه من شخص بالغ القرب منك، ولا يوجد بهذه الصفات أفضل من.. زوجتك .
                                                  *******
الساعة 7 صباحًا.
يا له من كابوس مزعج، يبدو أن دراستي ستصيبني بالجنون قريبًا.
أنظر بجواري، فأراها تغط في نوم عميق.
حقا لا أعلم سببًا مقنعًا لموافقتي على الزواج منها، هي لا تصلح لأي شيء إلا الأكل والنوم فقط، أحيانًا يهيأ لي وكأن وجودها سببًا من أسباب أزمة البشرية.
ذهبت إلى الكلية في موعدي المعتاد، ودخلت إلى المكتبة فورًا، وكأنما يوجد شيء أبحث عنه هناك، و لا أتذكر ما هو.
جلست على الحاسب الآلي، وطالعت بريدي الإلكتروني, وكانت المفاجأة:
الميل الأول.
المرسل: لا يوجد.
العنوان: لا يوجد؟
الموضوع: فقط 10 مليمتر من الزيت.. لا تنسى.
                                                   ******
(يتبع)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة

"