الأربعاء، 20 أبريل، 2016

فى (الحرم اليونانى) كانت لنا أيام

سألنى بعض الأصدقاء عما جاء بى من أسوان إلى القاهرة هذه المرة، فأجبتهم أنها:
- (منصة الإبداع الاجتماعى لمواجهة تحديات سوق العمل فى مصر).
ذاك هو اسم الفاعلية، ويمكننى القول بضمير مطمئن أنها أطول فاعلية شاركت بها فى حياتى، من ناحية عدد كلمات الاسم.
سبب تواجدنا باختصار، إجراء عصف ذهنى تجاه قضية محددة: تتوفر وظائف خالية لدى بعض الشركات (خصوصًا الفنى منها)، هذه الوظائف لا تجد من يتقدم لها، وهذا أمر يثير التعجب عند وضعه أمام نسبة البطالة التى نعرفها، هدف الورشة: استحداث قنوات تصل أولئك بهؤلاء.
الجهة المنظمة تدعى GIZ، الـ G اختصار لـ German، أما IZ فنسيت مغزاهما بصراحة، هم مزيج بين مصريين وألمان على أى حال، واعتمدوا فى تكوين الفاعلية على أفراد 80% منهم متخصصين (عاملين فى مبادرت/ شركات/ مواقع إلكترونية فى مجال توظيف وتأهيل العمالة، بجوار 20% من خارج المجال تمامًا، مختلفون، وإن يظل العامل المشترك بينهم العقلية المطرقعة؛ هناك مهندس ميكانيكا/الكترونيات، وعازف جيتار، واحم.. كاتب خيال علمى.
قيل أن هؤلاء الغرباء قادمون بعقول نظيفة من أى انطباعات مسبقة، خصوصًا مع كونهم ليسوا غرباء التخصص فحسب، بل غرباء الأطوار كذلك، وللحق، أعجبنى منطقهم فى بناء هذه التركيبة، قد أفكر -مستقبًلا- فى الاستعانة بهذا التكنيك فى أى ورشة عصف ذهنى أجريها.
فى نفس الوقت، إعجابى بالفكرة لم يقطع الطريق على إحساسى بالغربة بينهم، وفاجئنى مدرب الورشة بأننى لست الوحيد الذى صارحه بذلك.
أسأل نفسى:
- لماذا جئت إذن؟
مزيج من الرغبة فى تغيير الجو، مع الظمأ لتجربة مغايرة، بين وجوه جديدة.
المزية فى مهنة الكاتب: عدم وجود سفر أو تحرك غير مفيد، كل موقف هو مشروع سطور فى رواية، وكل شخص هو بطل محتمل.
وبالفعل، حضرت أربعة أيام من مدة الورشة، وأدين للـ GIZ بلحظات أ.. "مختلفة" لو جاز لى القول، كلها لا تعنى شيئًا لأحد سواى، لذلك اهتممت بتسجيلها.
(1)
اسم مدير الورشة (أحمد بسطاوى).
قيل لنا أنه قادم من ماليزيا أمس فقط، وسيم، ذكى، جم المعلومات فى تخصصه، كما يملك طريقة مميزة فى إدارة الفاعلية، وأزعم أننى وضعت خطًا تحت بعض تفاصيلها الصغيرة.

الأول من اليمين
مثلًا، لم يطلب منها أن يقدم كل شخص نفسه، بل منحنا خمس دقائق، يتحدث أحدنا مع الزميل الذى يراه لأول مرة، ثم عدنا للالتفاف فى دائرة، وجاء التعريف بكل منا بشكل غير مباشر عبر لسان آخر.
نقطة أخرى، اعتمدت الورشة على استخدام العديد من الأدوات البصرية، هناك عارض صور ولوحات، وكروت قابلة للصق، وأكوام من القلام الملونة، ثم اهتموا بالدمج بين منتهى الترفيه ومنتهى الجدية، فيتم كسر حدة جلسات النقاش، بفاصل من الألعاب، خضنا مسابقات فى بناء أكبر برج بالبازل/ المكعبات/ الصلصال.
عندما انتهى اليوم، اتجهت إلى الأمن لأستلم بطاقتى (يأخذونها عند الدخول)، فوجدته يقول لى:
- أنمتم جيدًا؟
يقصد خروجنا إلى باحة الجريك كامبس المكشوفة، وتمرين إغماض العينين.
ثم يتضح تأثر المنظمين بتكنيك جلسات (رابطة المدمنين المجهولين)، فيطلبوا منا أن نلتف فى دائرة مطلع كل يوم من الورشة، ويتحدث كل شخص عن موقف مميز من أمسه، يود مشاركته.
رابع يوم، وصلت متأخرًا، ففاتنى هذا الجزء.
ثالث يوم، حدثتهم عن موقفين: أحدهما إعجاب، والآخر صدمة.
الأول: يتعلق بزيارتنا للمهندسين، حيث مقر موقع (شغلنى) الإلكتروني.
أما الثانى: فحدث عند خروجى مقهى للنت بفيصل، مسئولته مراهقة تفرق شعرها فى تصفيفة كلاسيكية، سألتها عن الحساب، فنقلت علامة الاستفهام لزميلها:
- شوف "عمو" قعد أد إيه؟
صعقت، أأصبحت فى مصاف "عمو" بالنسبة لمن هم فى سنها!
فى اليوم الثانى، أخبرتهم عن مصادفة سعيدة هذه المرة، لولا الورشة ومجيئى للقاهرة بسببها، لما حدثت.
صراحتهم أننى لفرط ابتهاجى، فكرت فى أن أحزم حقائبى، وألا أكمل الفاعلية، فأفضل شئ ممكن أن يحدث، قد وقع بالفعل، ففيم البقاء أكثر إذن!
قلت باختصار:
- قابلت د.أحمد خالد توفيق.
(2)
أعتقد أن أنواع التركيز تختلف، هناك من تأخد هذه الصفة لديهم اتجاهًا خطيًا، بمعنى أن عينيه تصوب نحو نقطة محددة لا شريك لها، أما الآخرين فدائريين، يستطيعون الإحاطة بتفاصيل عن أكثر ما حولهم فى الوقت ذاته.
اعتقادى أيضًا أن الرجال أغلبهم خطيين والقلة دائريين، والعكس بالنسبة للنساء.
يخيل لى أننى لو كنت وحدى، لجلست، وشربت الشاى، وتبادلت الحديث، ثم انصرفت، كل هذا دون أن ألاحظ أن د.أحمد على بعد ثلاث طاولات منى.
الفضل -كل الفضل- يعود إلى الزميلة سهام محمد، هى من لفتت من أول ثوان، عندما قالت:
- انظر، أهذا د.أحمد خالد توفيق؟

الغريب، أننا اخترنا كافتيريا (زهرة البستان) بالمصادفة البحتة، بعد أن كدنا نجلس على غيرها بالفعل، ثم غيرنا رأينا فى آخر لحظة، كما أن الفنانة التشكيلية سهام من دمياط، وأنا من أسوان، ود.أحمد من طنطا، فما هى احتمالات حدوث صدفة كهذه!
صافحته بحرارة، وقلت له ذو شعبية ليست بالقليلة فى جنوبنا البعيد، شديد التهذيب والتواضع كما يصفونه بالضبط، فرد علينا بترحاب، وعرفنا بصديقته الأيرلندية التى تجلس معه، نسيت اسمها وإن ظللت أطلق عليها (ماجى)، وبالمناسبة، ماجى من التقطت لنا هذه الصورة.
تفائلت بكل ما أحاط بى من ظروف، قادت لهذه اللحظة.
الورشة، الجريك كامبس، الأستاذة سهام، الحلاقة الزيرو، وحتى الخُرّاج الذى زرع نفسه فى مشط قدمى اليسرى، وأصابنى بتورم وعرج خفيف طوال نصف الورشة.
(3)
ثناية الأرستقراطيين..وأولاد البلد..
أرى فى كل منهما جمالاياته الخاصة، لمست هذا بقوة خلال أيام الورشة، الفئة الثانية معروفة بما هى عليه من حيوية ومرح وجدعنة.
أما الثانية، فتحمل أناقة متوهجة تحيط كل أقوالها وأفعالها، ولا أراها مرتبطة بطبقة بالضرورة، هناك زميل من إقليم ريفى، لكنه يذكرنى بالممثلين من عينة (حسن كامى) و(عادل أدهم)، شيئًا ما فيه يذكرنى ببشوات القرن الماضى، سواء فى إمساكه بالسيجارة، مشيته، طريقة كلامه، أو عدم الكلام.
لا أعرف هل (كريم فريد) كذلك بالفعل، أم أننى من يحب أن يراه كذلك.
مجالسته أمر ممتع وفخيم على أى حال.
ثم تلك الجميلة ذات التصفيفة (الألاجرسون)، عندما سألتها عن مجال دراستها، فأجابتنى بتلقائية:
- اقتصاد.
- وعلوم سياسية؟
-كلا، اقتصاد فحسب.
من ناحيتى، استغربت، فى أى شرع وأى دين؟ ما نعرفه أن التخصصين متلاصقين دائمًا، فاتنى أن هذا ما يحدث فى الجامعات الحكومية، وبطل تعجبى عندما عرفت أنها درست هذا التخصص بالـ (AUC).
مددت يدى، وأكملت التعارف:
-ياسين أحمد، معهد فنى صحى أسوان.
تقام الورشة فى معقل أرستقراطى فى حد ذاته، الحرم اليونانى للجامعة الأمريكية The Greek Camps.
توجد أماكن أخرج منها سريعًا، لكننى ألتفت لأسرق نظرة أخيرة، وأمتلك شعور مبهم بأننى سأعود.
مؤخرًا، حضرت مقابلة شخصية لأحد المشاريع التابعة للجامعة الأمريكية، لم يتم قبولى، ومع ذلك كنت مسرورًا، إذ قابلت أشخاص أعزاء يومها، كما أننى استمتعت بالحوار مع مسئولى المشروع.
أول مرة منذ عهد بعيد أستمتع بمقابلة رسمية لهذا الحد.
عندما أخدت بطاقتى من الأمن، شعرت بأننى سأعود، لكن لم أعلم بأن هذا سيحدث بتلك السرعة.
اكتشفت أن زميلتى مي مجدى، جزء من عملها فى الحرم معى، فكانت فرصة جيدة لمقابلتها.
مى إذاعية ممتازة تتطوع فى برنامج (اقرأ لى)، وشرحت بأن مقرها إلى جوارنا تمامًا.
وأضافت بأن هذا ما صار عليه الحرم اليونانى عمومًا، منذ نقل الجامعة إلى التجمع الخامس، استغلوا الموقع الحيوى هنا فى تأجيره كمقار للشركات، حتى ساحته المفتوحة، يتم استغلالها للحفلات والمعارض.
المفاجأة بالنسبة لى، وجود طاولتى تنس طاولة، أول مرة منذ زمن بعيد أمسك مضرب.
سألت منافسى على الطرف الآخر من الطاولة:
- حتى كم تلعبونها؟
فى أسوان، تنتهى المباراة بمن يصل أولًا للنقطة 11، وجدته يستغرب جدًا، لأنهم يلعبون حتى 22.
(4)
مساء أول يوم لى فى القاهرة، التقيت كريم.
وحضرت معه معرضًا تشكيليًا تعرفت خلاله على الفنانة السكندرية وفاء زعلول، وللمصادفة قابلت الزميلة شيرين سامى كذلك.
تهت كثيرًا حتى أصل للمعرض فى الأوبرا، قال لى كريم أنه ينتظرنى قبالة تمثال أم كلثوم، عندما وصلت هناك اتصلت ثانية، فوجدته يقول:
-خلاص، وجدت يا أقرع.
تحسست رأسى الحليق بينما كُلى مندهش من اللفظة، ولولا أننا فى مكان عام لأجبته لفظة اعتراض +18.
لكن فى نهاية اليوم، بدر موقفًا طيبًا من كريم أنسانى هذه السخرية.
أصر على حمل الحقيبة عنى، عندما رأى حالتى البائسة، ولم يتركنى حتى أوصلنى إلى الشارع حيث سأبيت.
اشتد الألتهاب بقدمى وقتها، وشعرت بأن الحمى تتصاعد منه إلى رأسى، وعلى الرغم من ذلك، أصررت طوال السهرة على نفس الموقف:
- لا أطباء، لا صدليات.
أن تتحرك الجبال من مكانها، أسهل من أن أغير رأيى، أو هكذا بدا لى تلك اللحظة، لولا أن أجاد الأرستقراطى مس الوتر الحساس:
- قد تستيقظ من سريرك مصابًا بالحمى، وأنت هنا فى القاهرة، لن تجد من يعتنى بك.
لدى هاجس دائم أن أصير عبئًا، لذلك تزحزت عن إصرارى أخيرًا، وتبعت كريم -باستسلام عاجز- إلى أقرب صيدلية.
ثم بت الليلة مع شقة مهندسين بلدايات فى فيصل.
(5)
فى الصباح، فور أن فتحت عيناى، اعتدلت، ووجهتهما إلى قدمى.
كان كريم محقًا، يعلم الله الحالة التى كنت سأصير عليها لو لم أتناول المضادات الحيوية.
بحمد الله، وجدت التورم قد قل كثيرًا، فنهضت -بسعادة- نحو الشرفة، وأكتمل انشراح صدرى عندما عرفت فائدة جديدة لأن تبيت فى شقة بالطابق الخامس، خصوصًا لو تطل على مدرسة.
كم هو مبهج منظر الأطفال وهو يجوبون الحوش!
ماذا كان اسمها؟
أعتقد: مدرسة حمزة الثانوية بنات.
(6)
فى وقت الاستراحة، أخذ الحديث طريقًَا إلى البوح الشخصى، فشكت لى زميلة فى الورشة أزمتها مع ايقاعها السريع، سواء فى الكلام/ الحركة/ إلخ.
قالت أنهم يطلبون منها مرارًا أن تعيد ما قالته، لأنه متلاحق وغير مفهوم غالبًا، وفى المساء، تضطر لسماع موسيقى عالية مساءً، حتى تستنزف ما تبقى داخلها من طاقة ، فتستطيع النوم.
- أخشى أننى أقترب من حافة المرض النفسى.
انتهت الاستراحة، وبدأنا جلسة مطولة العصف الذهنى، فجأة، وبدون أى سبب مفهوم، وجدتنى أقاطعهم، وأبدأ فى الغناء بصوتٍ عالٍ.
أردت أن أدندن قليلًا، وفعلت، لا أجد تفسيرًا أكثر من ذلك، أفقت بعد قليل على نظرات زميلتى، وكأنما تقول:
- وأنا التى كنت أشكو إليك جنونى منذ قليل؟
(7)
فى أحد التمارين، طلب منا أن نتحرك فى نطاق دائرة، وتنظر فى عينى أول من تقابله لثوان، ثم تتجاوزه إلى آخر.
سار كل شئ على ما يرام، فمررت بواحد واثنان وثلاثة و...، اصطدمت فجأة بنافذتين مختلفتين، الغريب، أنهما تجمعان بين زرقة أوربية، وميل آسيوى، بينما أنا الذى لم أسافر خارج قارنتنا السمراء قط، لذلك اعتبرت هذا غشًا للقواعد.
ارتبكت.. رغم أنها زميلة فى الورشة، أى هذه ليست أول مرة أراها، لكنها أول مبارزة بصرية بهذا القرب، ومن هذه المسافة.
أفلت منى اعتراض صائح أن:
- كلا، هذا مستوى (Level) من العيون، لست مؤهلًا لمواجهته.
سمعت ضحكات هنا وهناك، وكلمات ما معناه (هل تغازل أيها الصعيدى؟).
هى نفسها ابتسمت وتعاملت مع الأمر كدعابة، إلا أن هذا لم يخفف من ضيقى، متى أتعلم السيطرة على لسانى؟
قلت فى سرى:
- إذا وجدت طريقة لنيل تأشيرة القارات الآخرى؟ عسانى أعتاد تجاوز عيونهم؟
(8)
طلب منا (بسطا) -اسم الشهرة لأحمد- أن نغلق عيوننا لتخيل شخصية مرتبطة بموضوع الورشة، ثم النهوض ورسمه فى لوحة كبيرة، مع رباعية الأذن والعين واليد والقلب: ماذا يرى/ يسمع/ يفعل/ يحس؟
اخترت -بالمخالفة للقواعد- ثلاث شخصيات:
(عمر خلفية): المدير التنفيذى لموقع شغلنى.
و(محمد سعيد): سائق فى الـ GIz.
وكاتب خيال علمى، فوجئ بأنه ينادى بـ "عمو".

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة

"