الجمعة، 18 مارس، 2016

"مؤسسة" أم "قبيلة"

فى مصر، لا يتطلب الأمر دائمًا أن تتقدم لعمل بشكل رسمي، فيتم تقييمك حسب معيار الكفاءة.
مجالات كالثقافة/ الصحافة/ الفن مثلًا جميعها تتكون من دوائر مغلقة على نفسها، ولحجز مقعد داخل واحدة منهم، لا يقف الأمر على مدي استحقاقك، بل سينصحك المخلصين بلغة دارجة مباشرة:"أصلك لازم تتشاف".
- إنا تقدمت بعرض ما، فإما عملي جيد أو لا، ما علاقة الموضوع بظهوري أو إندماجي الإجتماعي!
فهمت بالتدريج أن هذا صحيح في حالات التعامل مع "مؤسسة" أو "منظومة"، أما بيئة العمل فى مصر، فكثيرًا ما تأخذ شكل "القبيلة"، كل منهم منغلقة على نفسها، وجواز المرور إلى أحدها يتمثل فى القبول الإجتماعي أكثر من أي معيار آخر.
حتى على صعيد الثورة، أذكر كلمات صريحة لأحد شبابها (وائل عباس لو ذاكرتي صحيحة)، قال أن شلة وسط البلد يشترطوا تمتعك بالقبول بالدرجة الأولى، فيتم رفعك على الأعناق لو امتلكته، بينما يتوارى إلى الصف الخلفي -تلقائيًَا- من لا "يستلطفوه"، وبرر أن هذا هو السبب لأن الصوت أعلى في المناداة بحرية (أحمد دومة)، في حين لا تجد نفس الحمية تجاه اسم (أحمد ماهر).
في مجال الثقافة الرسمية كذلك، تلاحظ أن هناك أسماء معينة هي ما تتصدر المشهد فى إدارة المؤتمرات/ المحاضرة فى الندوات/ إلخ.
أيام إقامتي بالأقصر، شاهدت مشهد من هذا القبيل، إذ مررت بقصر الثقافة كعابر سبيل، على سبيل المشاهدة لا أكثر، لكن يبدو أنني جئت في وقت غير مناسب.
إذ وجدت مناقشة حادة بنادي الأدب، لم أفهم الموضوع حتى قالها أحد الشباب صراحة:
- منذ عشرين عامًا أو أكثر، تدار الحياة الثقافية فى الأقصر الثلاثي فلان وفلان وفلان، سؤالي البسيط هو؛ هل عقمت البطون عن إنجاب جيل جديد آخر كفء لدرجة المشاركة؟
لاحظت أنه يقولها مع النظر إلى نقطة ثابتة أمامه، لأن الثلاثة كانوا حاضرين.
بصراحة، كانت لحظة استمتعت بها جدًا، وإن كنت لا يعنيني شئ من هذا كله، ويكفيني مبدأئي الأثير: - لا شئ يحدث فى الخارج، طالما لا يحدث لي.
لكنني أعود للشعور بالاستفزاز إذا ناقشت المبدأ مع صديق، فيرد بنبرة تتقطر تصوف وروحانية:
- الدنيا كلها حولك تسير هكذا يا صاحبي.
انتبهت لمفارقة:
- ألا تلاحظون أننى الوحيد بينكم الذي أعيش -فعليًا- في منزل/ مجتمع قبائلي، أتشرف وأتأقلم جدًا معه، ومع ذلك على عكسكم أنفر من أنه تمتد قوانينه إلى مقر عملي!
لو كنت مقبول اجتماعيًا بالفطرة، فهذا شئ جد طيب، أما لو لم تكن كذلك، فمن المهين أن تبذل جهدًا لأن تكون، (الأرض كروية) كما يقال، ولدي ثقة شديدة أنه لا يوجد مجتهد لا يصل، الاختلاف فقط فى التكلفة، للانطوائيين أو العمليين: دفعك التكلفة فى شكل وقت أطول لحين فرض نفسك، أفضل من أن تتنازل، وتسحبها من رصيد احترامك لنفسك.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة

"