الجمعة، 27 نوفمبر، 2015

كائن (الأبعد مدى) فى منتدى الإسكندرية للإعلام جـ 4 (بدايات غير مبشرة إطلاقًا)

مافيا
- الأولى:
- الثانية:
- الثالثة
على مدار ثلاثة حلقات، حدثتكم عن: كم هى ثلاثة أيام مبهجة، مُلهمة.
صدقوا أو لا تصدقوا، بداياتها لم تشى بأى من ذلك، نهائيًا.
مشهد استقبال رقم 1 :
" تفووووووه عليكم.. أيا أولاد العاهرة"
أول أبرز خمس كلمات استقبلتنى، فور وضع قدمى فى شوارع أليكس.
المتحدث؛ رجل مجذوب قادم فى اتجاهى من الطرف الآخر للشارع.
لا أدرى، لم  انعكس رد فعلى إلى هيستريا ضحك:
- لماذا يا ماريّا هذا الاستقبال، حتى أننى أحبك؟
أعترف أننى من النوع الذى يتأثر بعنف، بما يمكن اعتباره "إشارات"، ومع ذلك، سعيت للتخفيف من الموقف باعتبار أن الرجل يبدى انبطاعًا عامًا، أو كما يقولون فى الأفلام الأمريكية: (Nothing personal)..لا شئ شخصى.
 مشهد استقبال رقم 2:
تقدس السير فى خطوط مستقيمة؟
أحييك.
لكن هذا ليست حجة كافية إطلاقًا تبرر بها عجزك عن المرور من بوابة لفندق، لمجرد أنها من النوع "الدوّار".
عزمت على تذكير نفسى بهذه النصيحة مستقبلًا بعد أن تخبطت مرة أو اثنين فى زجاج الباب.
أول ما يلفت نظرك فى ردهة فندق جراند رويال، هو تصميم السقف، جميل جدًا.
عندما هبطت عيناى وقعت على باقة من الشباب الجميل يرتدون زيًا رسميًا، خمنت بجينات الفراسة أنهم تابعين للمنتدى، لم أتعجل (بلغة الجيش) فى تسليمهم اسمى، وقررت أن أمضى بعض الوقت، مع صديقى الذى جاء يوصلنى.
نسيت أن أعرفكم، أحمد الصائغ، عبقرى سكندرى آخر، زميلى فى درب الكتابة منذ أيام سنة أولى نشر، عشرات المكالمات والمراسلات والمحبة، فى حين لم نلتقى وجهًا لوجه إلا اليوم.
بسم الله ما شاء الله، اتنين فولت، وينور، لدرجة أنه بهت عليا أنا كمان.
مع الوجيه الأمثل، مؤلف (أقداح كريستال) و(آخر نساء الفردوس)

اخترت أريكة على بعد أمتار من المشتبه بهم، واستسلمت لقضاء وقت ممتع مع أبو مريم، حتى جاءت اللحظة التى بكل أسف، متوقعة مقدمًا، فموعد نوبتجية طبيب العيون الأديب، قد دنا.
طلب منى أن أتصل بمسئولى المنتدى، كى يطمئن على سير الأمور على معى، قبل أن ينصرف.
لحظتها بالضبط، أزيح الستار عن الموقف الذى جعلنى -لوهلة- أفكر فى حمل حقائبى، والعودة من حيث أتيت.
طلبت الرقم الذى سجلته من رسائلهم الإلكترونى إلىّ، فوجدت هاتف أحدهم رن، أحد المجموعة التى لفتت نظرى منذ دخلت، وتقف على بعد أمتار منى.
وقبل أن أهنئ نفسى على تخمين عبقري آخر، صدمت بردة فعل الرجل. 
إذ وجدته يغمغم، بتأفف:
- (عايز ايه دا كمان)!
المتحدث هذه المرة ليس مجذوبًا، مما جعلنى أعجز عن إيجاد ما يضحك فى الموقف، فضغطت الزر الأحمر دون تفكير.
- الحمد لله.
أها، أخيرًا وجدت ما ينزع الابتسامة رغمًا عنى، عندما سمعت الشاب ينطق الجملة الأخيرة، ياااه..ما كل كمية الارتياح فى صوته!
هناك فئتان فقط، اعتدت منهم على هذا الانطباع.
مريض أوقعه سوء الحظ فى نوبتجيتى، فأجرت له يدى الغليظة أشعة على الأسنان- 8 فك علوى، أما الأسوأ، والذى أعذره لو شتمنى حتى، هو مريض -ولا مؤاخذة- أشعة الناسور الشرجى.
ولما لم أعمل فى مستشفيات الإسكندرية قبلًا، أو أذكر أننى قابلت الموظف من الأصل، فقد وجدت ردة الفعل غير.. لنقل "غير مبررة"!
أجريت حسابات سريعة فى عقلى، وللأسف، وجدت أطنان من الارتباطات تجعل عودتى أسوان فورًا، خيار غير واقعى بالمرة.
المهم، قررت النهوض، وإيصال الصائغ إلى ميدان الرمل. 
من ناحية، محاولة لقضاء أطول وقت ممكن، مع صديق لا أراه إلا بمعجزة، ومن ناحية أخرى، فرصة لأهدأ.
- هيه، لا تضخم الأمور يا صاحبى.
أممت على قول الصائغ بأنه موقف تافه فعلًا، لولا مشكلتى مع الحساسية المفرطة تجاه "الإشارات".
جربت أن أفعل ما عودت عليه نفسى منذ الصغر، وضعت نفسى مكان الموظف، بصراحة، أتصور كم الضغوط والترتيبات الملقاة على عاتقه، وعندما بالغت فى التقمص، تذكرت أننى أصلًا منذ بداية عملى، ألتزم بشراء بالطوهات بيضاء بـ "كباسين"، لا أزرار، والسبب؛ أن الأولى هى الوحيدة التى يمكنك خلعها بنزعة واحدة، عندما تبدأ الشجار مع رئيسك/زملاءك/أهل المريض/ إلخ.
ففيم ألوم الفتى؟
هذا ما تقوله آليات عقلى الموضوعية، عمومًا، تحاشينا بعضنا أغلب فترات المنتدى، وكأنما اتفاق غير مكتوب، ارتحت له فى الحقيقة.
وفى الثلث الأخير:
-.. آسف على سوء التفاهم.
- أسافر فاعليات خارج محافظتى مذ كنت فى المرحلة الثانوية، ثق أن هذه المرة الأولى التى يستقبلنى فيها أحد بمثل هذا التأفف.
شرح أنه لم يكن قد سجل رقمى، وظنها مكالمة من السائق الذى يفترض أن يقل زملائنا العرب من مطار القاهرة، وبينهما مشاجرات منذ الصباح.
فى الواقع، كانت هذه الكلمة كافية وأكثر حتى أطوى الموضوع، خصوصًا أن بهجة المنتدى -بالمعنى الحرفى للكلمة- ردمت على شحنات سلبية حتى عام إلى الخلف.
فلأعتبر الموضوع مرة أخرى (Nothing personal).
كما أننى لمست مع الوقت، أن الشاب هو العمود الذى يقع عليه جانب ليس بالقليل من مفرمة أعباء المنتدى، كما أننى أحببته بحق، فكان لزامًا فى آخر يوم، أن يكون من الوجوه التى أبحث عنها لأصافحهم، وأعلم أننى سأفتقدهم حتى يشاء القدر ونلتقى مرة أخرى.
فقط، أتمنى أن يظل محتفظًا برقمى، درءًا لتكرار أى مشاكل من نفس النوع.
 مشهد استقبال رقم 3:
الساعة السابعة، من صباح 25 أكتوبر.
اعتدلت بتكاسل، أنظر إلى ساعة الهاتف، فوجدت لا يزال مبكرًا. 
رفضت مداعبات ضوء الشمس، الذى تسلل من الشرفة، وأيقظنى.
"رفضت" هو التعبير المهذب، لأننى افترض وجود سيدات وأطفال - 18 سنة قد يمروا من هنا.
ثم عدت إلى النوم مرة أخرى، دون أن أعلم أن الشمس حساسة للإهانة إلى هذا الحد.
- الساعة التاسعة بالضبط.
يفترض أن هذه هى اللحظة التى يقف فيها أتوبيس صغير أمام الفندق، يقلنا مسافة 10 دقائق يسارًا إلى المعهد السويدى، حيث حفل افتتاح المنتدى.
كما يفترض أن السفير السويدى والمذيع شريف عامر هما ضيفا الافتتاح مع باقة من آخرين.
للأسف، كل الأوراق السابقة ارتبكت، وعجزت عن التبلور كما أريد لها.
هم اعتبروها كارثة.
أنا بدورى أتعاطف مع خسائر الجميع بشرية كانت أو مادية، أما عنى شخصيًا تعاملت مع تأثيراتها بنوع من دهشة التجارب الجديدة، أكثر منه تضرر.
يوم 25 لو تذكرون، هو بداية غرق الشوارع فى الإسكندرية، حتى أن خبر إستقالة محافظها بلغنا قبل نهاية اليوم.
اقتربت أراقب الخارج، محتميًا بالواجهة الزجاجية للفندق، ثم تجرأت، وتقدمت لأقف بمحازاة الوجوه الغريبة -حينها- من رفاق المنتدى الذين سبقونى.
المياه ترتفع لثلث متر من الشارع على أقل تقدير، وقد غسلت كل شئ فى طريق سقوطها من الأعلى الأسفل.
هذا مشهد الاستقبال الوحيد الذى لم يدفع فى عروقى أدرينالين، بل على العكس، أشك بتسلل بعض السيروتونين (هرمون السعادة)، خصوصًا مع حمية المطر المتدفق.
نفس روح الحمية جعلتنى أرى فيها لمحة مألوفة، لمحة صعيدية لو جاز لى التشبيه.
مع أن الجو الصحو فى السابعة لم يشى بإمكانية حدوث ذلك على الإطلاق!
أكرر يا جماعة، حذار من الاعتراض على الشمس الصحوة.أصبح وجود السيوتونين فى دمائى أمر واقع، لا يداخله ريب، عند أول كتلة بَرَد (ثلج) هطلت على بلاط الفندق، وانزلقت حتى توقفت عند مشط قدمى.
انحنيت لألتقطها. 
مبهر!
أول مرة فى حياتى أرى مطر مصحوب بكتل ثلجية.
حكا لى أهلى ذات صباح أن مثلها سقط عندنا مرة واحدة فقط، وفاتتنى هذه التطورات المناخية بكل أسف، لأننى -احم- كنت نائمًا.
بالكاد تصرفت إدارة المنتدى، واستأجرت ميكروباص يقبل أن يتقمص دور غواصة.
بدأنا المسير وسط المياه يغطى ارتفاعها العجلات.
المنظر حرك 
ثم جاء دور المشهد الطريف المؤرق، لرصيف واجهة المعهد السويدى الذى يفترض أن تهبط عليه.
نقصد الذى ما كان رصيفًا، لأن المياه طالته أيضًا وأصبح ميناء. 
أرأيتم الركن البعيد الذى يقف أمامه الثلاثة؟
هذا هو شاطئ جزيرة المعهد الثقافى السويدى
أى شخص سيهبط إما أن يشمر ويخوض مسافة بطول مترًا ونصف من الرصيف، وارتفاع 10 سنتمتر مياه، وإما أن يطير هذه المسافة من الميكروباص  إلى الجزء الجاف من الرصيف مباشرة.
عصرت ذهنى كى أتذكر أرقامى فى القفز الحر، الحمد لله، هذا جعلنى ثانى أول اثنين يقفزا بعد أبو الفتح.
- وسع يابنى.
هووووب، وبالطبع، لم أبلغ المسافة كاملة، وغاص حذائى حتى الكعبين فى المياه فى ربعها الأخير.
وقفت أحاول أن أحلل موطن الخطأ:
- أولًا، المترين ونيف، أبلغهم بسهولة فى مركز الشباب لأننى أقفز من وضع حركة، وليس من ثبات وزنقة ميكروباص سوزوسكى.

- ثانيًا: الزى..حتمًا كنت أرتدى حينها الطقم الأديداس، وليس جلبابى الأبيض (الفورمال).
- ثالثًا: لا أتذكرها للأسف.
اطمئننت على أن نجاة الجلباب أهم شئ، ودلفت نحو باب المعهد سريعًا.
ستكون معركتهم الخاصة بالنسبة لزملائى الشباب، أما الآنسات، فسيكون عليهم تقمص دور الملكة (بلقيس)، ولعل هذا محرج لهم، فلا أحب أن أراه.
أنحنيت بمنديل ورقى أتمم على جفاف حذائى للمرة الثانية، بينما أتطلع حولى من منظور أفقى منخفض، ابتسمت من مرأى رُكب عمال وموظفى المعهد فى محاولة إزاحتهم للمياه، وسط مهرجان التشمير للجميع.

حرك المنظور الروح الإنتهازية الصحفية داخلى، وتذكرت ما قالوه عن تمسك شريف عامر بالحضور.
- شباب، ما رأيكم فى صورة تساوى سبقًا بمليون جنيه، يمكننا أن ننترقب وصول شريف من الشرفة، ونخطف صورة فور عندما يخوض ويشمر.
للأسف، واضح أن شريف عامر شخص محترم كما يحكون  عنه، حيث أغلقت الشوارع تمامًا، وتعذر حضوره رغم استماتته حتى آخر فرصة.
يا خسارة السبق!
                                                 ********
-أنت تبع اييه؟
 قالها لى رجل الأمن أمام البوابة الإلكترونية، ليأتى فى الترتيب الـ 54751622 الذى يقول لى هذه العبارة.
مهما كان عدد الجمع الذى أدخل بصحبته مكان ما، لابد أن يستوقفونى أنا تحديدًا، ليطرح علامة الاستفام المستفزة هذه.
هل الجلباب هو السبب؟
حسن يرتدى شبيه له أيضًا، وصابرين أيضًا بالعباءة الفلسطينية الشهيرة.
واضح أن هناك شئ ما فى ملامحى ذاتها يدعو للارتياب، للأسف، فشلت كل المرايا التى وقفت أمامها على مدار عمرى فى إخبارى ما هو!
أغمضت عينى، ورفعت كفىّ ببطء لأغطى بهم ملامحى.
تدريجيًا، بدأت أتحسس تحتهم خريطة عضلات وجههى، لأبدأ فى إرخائهم واحدة تلو الأخرى.
تعلمت هذه الطريقة من مقال بموقع علم نفس.
وأؤكد لكم أنها ناجحة وأكثر اختصارًا للوقت، 5 دقائق من إدارة الغضب، أفضل من نصف ساعة مشادات.
شعرت بربتة معتذرة على كتفى من الخلف، وفى نفس الوقت، ضحكة مكتومة من الأمن أمامى.
قلت فى سرى:
- أراك يا من تضحك، لا يخدعنك أن وجهى مغطى، صبرًا حتى أنهى التمرين وأرد عليك.
- آسفين يا افندم، يا افندم.
سمعت الكلمة بصوت الأمن الأول، مغمسة بالضحكة التى خمنتها، وأكاد أستمر فى التخمين لأسمعه يهمس فى سريرته:
- أنت جاى تلعلبنا (يوجا) هنا، حقك علينا يا عم واخلص عدى.

- طب ثوان يابا لو سمحت، فيه 3 عضلات لسه قافشة بين حواجبى، وواحدة تحت عينى اليمين، أها الحمد لله.
وقفت أمام طاولة عريضة، عليها بطاقات تعريفية متراصة. 
أستطيع أن أخبركم: كم كان كوكتيلًا مبهجًا بحق، البطاقات ذات الشريط الأحمر، هى للمشاركين، الفسفورى للمدربين، الأصفر للجنة المنظمة، الأسود يرتديه المدير التنفيذى وحده.
استنتجت أن أحمد عصمت متأثر بترتيب ألوان الأحزمة القتالية، فاحتكر لنفسه ذاك اللون تحديدًا، حقك يا عم.
اكتمل وصول الزملاء المبتلين، ليلتف الجمع يبحثون عن ألوانهم، فى حين تحرك بيننا المنظمين ذوى الأزياء الرسمية لمساعدتنا.
- هيححح، ياسين أحمد.
بحثت صاحبة الشريطة الصفراء الفاتنة لدقيقة، قبل أن تلتفت باسمة، تناولنى البطاقة خاصتى.
(الفاتنة) صفة تعود على (الشريطة الصفراء) بالتأكيد.
تحسست الغلاف المصقول للبطاقة، كنت سعيدًا، ولا أدرى كم المشاكل التى ستسبهها لى هذه البطاقة طيلة أيام المنتدى.
فالشريط طويل  جدًا، أشعر أنه كان يتدلى بالبطاقة ويوصلها لركبتى، كما أن البطاقة نفسها ضخمة جدًا، ربما ثلاثة أضعاف أى نظير ارتديته فى حياتى.
ما علينا، المهم أننى فى أحد أفضل معنوياتى خلال 2015م.
وضعت الشريط حول عنقى، فيما اعتبرته لحظة بدء مشاركتى فى المنتدى رسميًا.
                                                                                                (يتبع)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة

"