الأحد، 6 سبتمبر، 2015

رواية (العاديات)؛ حيث الأنفاس غبار، والسقوط نجاة

"حيث الأنفاس غبار، والسقوط نجاة"
أعرف د.مصطفى جيدًا، وأتابعه كقارئ.
ورأيى فيه أنه (أديب، ولكن...)
لماذا؟!
مثل هذه الأفكار، اللغة القوية، الأسلوب الجذل، العبارات التى تشعر أن كل واحدة منها تم انتقاءها بعناية.
كلها أدوات لا يمكن أن تكون إلا لأديب.
أما استدراكى بـ(لكن)، فسببه أن اعتراضى على عدة عيوب، تخص المدرسة التى ينتمى إليها.
مثل: الرمزية التى يعشقها الكاتب تنزلق به أحيانًا لمشاهد تستشعر أنها صنعت للوعظ، وهذا كفيل بتنفير أى قارئ/التشبيهات قوية ورنانة بنسبة 90% مثلًا، لكن فى 10% ينزلق إلى حد التحذلق والاستعراض/ مصطفى يرفض تحرير شخصياته، ويجعلها تتحدق بلسانه، لا بلسانها، وهو ما ينسف واقعيتها نسفًا/ أضف لما سبق أننى امتلك موقف مسبق من التصوف كشخص يعتبرها دروشة فارغة.
لو راجعت قراءاتى السابقة لأعماله، ستجدنى أكرر ما سبق كل مرة، لدرجة أننى قبل أن أقرأ العاديات حتى، فكرت أن أستحضرها هنا نسخ لصق.
حسن، اعترف أننى أخطأت فى أشياء كثيرة.
أولها: كنت أقول سابقا أنه (أديب، ولكن..)، لكن عند العاديات، حق على أن أقر بأنه (أديب) وكفى.
لا أقول أن المسالب السابقة اختفت، لكن تراجعت نسبتها كثيرًا، على سبيل المثال؛ حرر الكاتب شخصياته أكثر بعض الشئ من السابق، كما الاعتماد على السرد أكثر من الحوار فى الرواية، ساهم فى هذا الانطباع.
نعم، المسالب التى ذكرتها سابقًا، لا تزال بصماتها موجودة ولو بشكل باهت، لكن د.مصطفى غطى عليها تمامًا بكل هذا البنيان الروائى من تفاصيل وشخصيات وتسلسل أحداث.
رواية وضعت أناملها على أغلب ملامح الوجه الصعيدى، مع حبكة ذكية جدًا فى نسج التفاصيل، بمعنى أن الخيط الصغير الذى تظن أنه واه وزائد على الحبكة، يعود الكاتب لاستخدامه ولو بعد حين، ليثبت أنه كان جزء راسخ منه منذ البداية.
على سبيل المثال لا الحصر: غواية ما ف
وق المنبر التى تعرض لها المهدى، ثم انتهاءه بمشهد مقارب لما فوق ناطحة السحاب، الملحوظة العابرة على انتقاء الشيخ عبد الله للبيض، والطريق غير الممهد تحت دراجة على.
-رغم أنه كان على قمة ناطحة السحاب إلا أنه كان يبحث عن زر الصعود داخله.
-أنا الحصان والشيطان.
-امتطيتك يومًا.
- بل أنا من أوقعتك، وامتطيت زوجتك.
- كنت أعتلى سور المدرسة لأرى عورات الفتيات، الآن حتى عوراتكم لا أراها رغم أنكم لم تختفوها عنّي..
أما عن السحر الحقيقى الذى امتلك د.مصطفى ناصيته، فيتجسد فى المشاهد الدرامية التى صنعها بامتياز، امتحان طالب الحقوق، مواجهة الشيطان وعامر، زوجة عامر التى سرقت منى تعاطفًا خاصًا، أواخر مشاهد على، الأب الذى فقد ابنه، ثم باعه بعد موته، وآه ثم آه.. من لحظة أكل الشيخ للتمرة المدموغة بالدم، قائمة الوجع تطول وتطول.
وعندما تغمس بتفاصيل مجتمع محلى شديد الثراء، رأيتنى لأول مرة أمام د.مصطفى: (الأديب) بالنسبة لى، بعد أن كان (الأديب، ولكن).
رأيتنى أمام عمل لا يقل عن (واحة غروب) بهاء طاهر، و(ساق بامبو) السنعوسى، لذلك، ورغم أننى ضنين بنجوم الجودريدز، وكأنما أقطعها من لحمى، لكن هذا عمل من الأعمال القليلة تستحق خمس نجوم بلا تردد.
هنيئًا لك يا د.مصطفى، تفوقت على نفسك إلى مدى لم أتخيله!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة

"