الجمعة، 28 أغسطس، 2015

رسالة إلى عزيزى الكاتب الذى لم ينشر بعد

عزيزي الكاتب الذي لم ينشر بعد.. 
أعرفك بنفسي.. اسمي ياسين أحمد.. كاتب هاوي مثلك.. وإن سبق لي بعض التجارب المحدودة مع سوق النشر.. 
الدافع الوحيد، الذي يجعلني أحدثك الآن، هو أن أبرئ ذمتي، وألا أكون كنت بخلت بنصيحة، خصوصًا عندما تكون لأحد كنت في نفس موضعه منذ زمن قريب، لذلك ألفت النظر إلى بضعة نقاط:
- أولًا: بعض دور النشر مسئوليها قمة في الاحترام والأمانة، لكنها ببساطة فاشلة تسويقيًا وتوزيعًا، الأمانة لا تعنى النجاح بالضرورة، وعلى العكس، تجد دور نشر احترافية لكنها تفتقد للأمانة، أما عن الدور التي تجمع الحسنيين فهي تعد على أصابع اليدين. 
قد تجد تلك الدار الاحترافية الأمينة من التجربة الأولى،  لكن -للأسف- هذا لا يحدث إلا لقلة قليلة، أما عن نسبة 80% من المؤلفين الشباب، فيمرون بتجارب نشر سيئة، واحدة تلو الأخرى، حتى ينجحوا أخيرًا فى صناعة "اسم" وقاعدة من الجمهور، وقتها غالبًا قد تنال معاملة كريمة في كل الأحوال. 
إذ أن الدور المثالية حينئذ هي من ستبحث عنك دون مجهود منك فى البحث عنها، وأنت من ستفاضل بينها، وحتى لو اخترت بالخطأ دار ليست نزيهة في تعاملها، يحرصوا أن يكونوا نزيهين معك بالذات. 
وحتى تصل لهذه المرحلة، عليك أن تتحمل ما أنت مقبل عليه. 
نصيحة شخصية فى هذا الصدد: ركز 10% من تركيزك مع قضايا سوق النشر، ومشاكله، ومجرياته، والـ 90% أولى بهم قلمك، يشغلني كم يعتريه من نقاط ضعف، كيف أحاصرها، ماذا ينقصني كي أمتلك بصمة خاصة. 
انشغالي بجودة مشروعي الأدبي، سيجلب لك فرصة مع دار نشر كبرى، لكن انشغالك بمشاكلك مع دار النشر، لن تفعل العكس، لن ترفع من محتواك الأدبي. 
-ثانيًا: قدر الإمكان لا تدفع كي تنشر، حتى بفرض الناشر كان محترمًا، تذكر ما قلته بالأعلى عن الناشر نظيف اليد، لكنه محدود القدرات توزيعًا وتسويقًا. 
بالمناسبة: كون الناشر يتحمل التكلفة، لا يعنى كذلك أنه كفء، هذا يعنى فقط أنك ستقلل سقف الخسائر، وستصير الاحتمالات منحصرة في: 
هل كتبت رواية رائعة، والناشر يدفع، لكنه فشل فى تسويق أعماله؟؟ هل نجح فى تسويقه ولم يحاسبك؟؟  
كونك لم تدفع تكلفة النشر، هذا سيجعلك على الأقل لن تخسر ماديًا، ولا يهم إذا كنت ستكسب أم لا. 
-ثالثا: نظرًا لأن الحديث فى مجال النشر سخيف..ثقيل الظل، فلأغير دفته قليلًا إلى مجال ألطف بعض، ماذا عن السينما و (آل باتشينو)، كلنا نحب (آل باتشينو)، أليس كذلك؟ 
إذن لعلك شاهدت فيلم (The Recruit)، إذا لم تفعل -عزيزي الكاتب- أنصحك بأن تراه، هذا لا غنى عنه سواء قبل دخولك معترك النشر، أو لأبالغ وأقول أنه ضروري ومفيد لحياتك بالكامل. 
يتمحور الفيلم حول عبارة عبارة قالها رفيق النضال (آل باتشينو)، وكررها أكثر من مرة خلال أحداثه. 
- Nothing as it seems .. لا شيء يبدو كما هو عليه.. 
البعض سيظننى مازح، أو شخص غير جاد، أو مجرد متحذلق يحدثنا عن السينما.. 
لكن صدقني، 90% من صدماتك فى مجال النشر، سيكون مرجعها أن الأغلبية لم يصدقوا صديقنا (آل باتشينو). 
لذلك، أنصحك -أول ما أنصح- قبل التعامل مع منظومة النشر، لا تتلقى المنشورات العامة على الفيس، كمصدر موثوق لمعلومة..إطلاااااااقًا.. نهااااائى. 
والدلائل على ذلك كثيرة: 
- سلاسل المكتبات الكبرى فيها ما فيها، حيث أن أغلبها يعتبر أحد الأطراف الأسوأ معاملة والتزام فى المنظومة بالكامل، أحيانًا يتراكم فى ذمتها مبالغ بخمسة وستة أصفار لحساب الناشر، ترفض المكتبة تسديد التزاماتها، وتتعلل بأنها لم تجرد بعد، أو غيره، فتنفد السيولة من الناشر، ليعجز عن محاسبة المؤلف، كما يتأخر عن عمل طبعات جديدة لمدة قد تصل لشهور، مما يدفع المؤلف للتساؤل والارتياب في الناشر، (هذه إحدى الحالات النادرة التى يكون فيها الناشر بريئًا بالمناسبة.. أكرر: النادرة). 
رغم جميع ما سبق، من النادر جدًا أن تجد كاتب أو ناشر يهاجمها على العام، والسبب أنك  قد تجد كتبك قد ألقيت لك أمام مقرك في اليوم التالي، والنتيجة: الناظر للمشهد من الخارج، سيهيئ خطأ أن عالم المكتبات الكبرى، هو عالم مثالي ملائكي، أو هكذا يبدو في العام. 
-  الناشرين عمومًا على العام يلعنون الركود، وقلة حركة المبيعات، ومع ذلك لن يفسر لك أحدهم ما سر هذا الكم من دور النشر الذي يظهر سنويًا؟! ما سر هذا الحماس لمجال خاسر، لماذا لا تغير النشاط، وتفتح شركة في نشاط يكفيك هذه شر هذا المجال؟! 
- ستسمع مشادات بين ناشرين من هنا للسماء السابعة، طعن..اتهام.. .تخوين..ومع ذلك، لا تتعجب عندما يأتي موسم معرض الكتاب، فتجد أن -سبحان الله- نفس الناشرين يعرضوا إنتاج بعضهم في أجنحة البعض. 
- أغلب المؤلفين ينأوا عن الجهر بمشاكل داخلية مع ناشريهم، والأسباب تختلف: منهم من يركز فى الكتابة فقط/من لا طاقة له بالمشاكل، ويفضل أن يستعوض الله في حقوقه المغتصبة/من لا يترك حقه، لكنه يفضل فعل ذلك سرًا بلا ضجيج/من يعمل بمبدأ (المصالح تتصالح)/ من لا يرغب بقطع كل الخيوط بينه وبين أحد، فحتى من نصب الأمس، قد تضطره الظروف لأن يحتاجه غدًا. 
سواء كانت الدوافع مثالية أو براجماتية، لا تستطيع لوم أحدهم، تستطيع فقط لوم نفسك، أنك أخذت جزء من الصورة، واعتبره كل الصورة، فتنسى مثلًا أن هناك مؤلفين يكيلون الشتائم اليوم لناشريهم، مع أنهم بالقريب كان بينهم منشورات مشتركة، وقصائد مديح وغزل، ووجوه تعبيرية من نوعية :* ، ولو انتظرت بضعة شهور، لا تستغرب لو الدائرة نفسها دارت، ونصاب الأمس، عاد ناشرًا مثاليًا نزيهًا فى منشورات آخرين. 
لذلك، اتجه إلى الخاص دائمًا، اسأل شخص واثنين وثلاثة وعشرة، ولا تتعامل مع كلام أحد على أنه مسلمات، ليس تكذيبًا لأحد، لكن لأن بعض المشاكل مع دور النشر لا تظهر إلا فى نهاية العقد، وهو ما سبب ما ذكرته بالأعلى أن مؤلفين كانوا يتغزلون في ناشر معين، وعند موعد الحساب، اتضح لهم خلاف ما يظنون، أي أنه ليس ذنبهم في النهاية. 
أصلًا؛ إذا دخلت وسط النشر، ولم تُصدم عدة مرات في أشخاص ظننتهم في منتهى النزاهة والملائكية، فاعلم أنك لم تدخل وسط النشر بعد. 
لكن أزعم أنه على الخاص، لن يتأخر عنك أغلبية الزملاء، لم يحدث هذا معي إطلاُقًا، وإن حدث، يكون بغير تعمد، فقط معلوماته التي نقلها لي وقتئذ، نقلها لي عن تجربة غير مكتملة.
بعضهم عندما تسأله عن ناشر معين، سيخبرك أنه لا ينصح بالتعامل معه إطلاقًا، عندما ستسأله، سيعتذر عن الخوض في تفاصيل، مثل هذا الشخص، قد تظنه يقول كلام يعجز عن الاتيان بدليل، على العكس، قد يكون في الأغلب شخص محترم يترفع عن الخوض في تفاصيل قذرة، فضع كلامه عين الاعتبار، وإن أعود أؤكد لك: لا مسلمات..
دائمًا وأبدًا لا شيء يبدو كما هو عليه كليًا، وفى الوقت الذي سيقشعر جلدك وأنت تقرأ عن سيرة أحدهم، وسمعته، هناك عشرات يضربون كفًا بكف، لأنهم متيقنين من العكس. 
وكتمرين عملي على (من يبدون غير ما هم عليه)، لم لا تبدأ بي أنا؟ 
ضعني (وكل تصرفاتي وأقوالي سابقا أو لاحقا) تحت كل مرشحات الشك التي أطالبك بها. 
ماذا لو لم أكن أتحدث بدافع النصح كما قلت في أول سطر، ماذا لو أن المدعو (ياسين) مغرض، ماذا لو أنه يصفى خلافات شخصية بشكل غير مباشر؟ 
ماذا لو أنه على شفأ تأسيس دار نشر، ويريد بناء صورة ذهنية ايجابية مسبقة؟! 
من فضلك ضع هذا الاحتمال أمامك طوال الوقت، وإلا سأعتبر كل ما قلته بلا فائدة.. شكرًا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة

"