الخميس، 6 مارس، 2014

رواية (الأمسية المظلمة): هل انطلاقها كرواية جيب مغامرة أم مقامرة؟!

انتمى لجيل تربى على روايات الجيب، ذلك المشروع الثقافى الذى اعتبره النقطة التى غيرت وجه الثقافة فى مصر. 
رجل طموح عظيم اسمه (حمدى مصطفى)، عائد من رحلة فى الخارج، فوضع لنفسه حلم جامح يتلخص في؛ (أريد أن أرى الشباب المصرى فى المواصلات يمسك كتابًا مثلما نعتاد أن نرى فى أوربا).
تربى جيل كامل من تلك الكتيبات المنمنمة القادمة من عالم الحلم، كبر بعضهم ليتمدد حلمهم فى أن يصير كتابًا، لذلك من الطبيعى أن يرتبط حلم الكتابة فى ذهنى، برواية رخيصة الثمن، تصل للجميع فى كل مكان..
وانعقد ذهنى على مبدأ محدد (إذا لم يكن ما أنشره كتاب بطبعة شعبية، فهذا يعنى أننى لم أنشر بعد).
حينها فوجئت بصدمة، كلمة أجمع عليها كل الناشرين تقريبًا.
وهى أن كتاب الجيب هو حلم أقرب ما يكون للمستحيل، تسويقيًا.
أولًا، كى يكون الكتاب  أرخص، لابد أن تطبع منه نسخ أكثر.
وهذا فوق امكانية دور النشر الصغيرة، وإلا ستجد هامش ربح مضحك، حوالى (ريال فى النسخة)، وبالتالى نصحنى الجميع أنه اختيار انتحارى، وأن الخيار المنطقى هو الكتب ذات المواصفات الفاخرة التى تعطى هامش ربح مطمئن.. وفى نفس الوقت سعرها سيكون فى حدود (15 أو 20 ج)، أى أنها ليست غالية كثيرًا.
ثم تم لفت النظر إلى مشكلة آخرى، كتب الجيب أو الشعبية لا تقبلها المكتبات الكبرى، مثل الشروق، وديوان، إلخ. ففي حالة طباعتك كتاب جيب، معناه أنك فقدت المكتبات الكبرى ضمن آلية توزيعك.
(يعنى بقيت متشعلق فى الهوا يا معلم).
وتراهن فقط على القارئ الذى ينتمى للطبقة المتوسطة، الذى يقتنص أغلب مقتنياته من فرشة الجرائد..
المشكلة اننى منحاز لذلك القارئ بشكل يفوق الحدود، ذلك القارئ الذى هو مثلى ومثلك، يرى أن أى كتاب فوق الـ 20 جنيه، يوازي -ببساطة- وكأن دور النشر التى طبعته تطلب منه (من فضلك لا تفكر يومًا أن تشترينى).
أصابتنى المعطيات السابقة بماس كهربائى فى عقلى، تلك الحالة تنتابنى عندما تقفل دماغى على الطريقة الصعيدية، فاعقد على اتخاذ قرار غير منطقى، وغير عقلانى.
وانتويت أن:
-بمشيئة الله، فلتذهب الحسابات إلى الجحيم، وسأنزل بكتاب جيب فى الصيف.
الامر انتهى، (جزرة وجطمها جحش).
لم أعرف كيف، ولماذا، وبم؟!
لقد اتخذت القرار، وسأنفذه، ثم أفكر فى حل تبعاته أثناء التنفيذ.
من حسن الحظ أن هذه قفلة الدماغ الصعيدى لا تأتينى كثيرًا، فهى ليست بالطريقة تساعد على النجاح كما ترون.
بعد أن اتخذت القرار، كنت أفترض الأسوأ كالعادة، لن يكون هناك دار نشر ترضى بدخول هذه المخاطرة، من التى أستطيع التعامل معهم، فبدأت أجمع معلومات بالفعل عن الطباعة، وأضع خطة ارتجالية لتوزيعه بنفسى.. والتمست النصح من الاصدقاء ذوى الخبرة،فكانت بعض الآراء تذكرنى بخطورة التجربة،وأن هناك صديقة طبعت كتاب بـ 3 جنيهات، وفشل فشلًا ذريعًا،أى لا تراهن كثيرًا على نقطة أن؛ (كتاب رخيص، هو كتاب لديه فرص أفضل للنجاح)..
طب كويس..الله يطمنكم! ومع ذلك، كان هذا غير كافيًا، لأن يجعلنى ألا أتراجع..
كنت أنظر للجانب الآخر من الموضوع، أن  أكثر من 80%  الكتاب الشباب فى سنة أولى نشر، لا يحققون أكثر من 200 نسخة مبيعات فى عام الكتاب الأول.
(كل ما عدا ذلك استثناءات لا قاعدة).
أى أنهم بأرقام السوق يفشلون، وما دام الفشل هو ما ينظرنا فى نهاية الطريق فى كل الاحوال، إذًا لأسير فى الطريق الممتع بالنسبة لى.
                                       ***********

(وراء الحواس) الرواية المنفصلة المتصلة من أدب الرعب، التى تتحدث عن أمى وبلدى وأرضى (أسوان)، هذا هو العنوان الذى أعددته للنزول فى صورة كتاب جيب صيفًا.
وفجأة، تغيرت حسابات كثيرة بأكثر مما أتوقع، يبدو أننى لست المتهور الوحيد، هناك ناشر صديق أبدى استعداده لتبنى الكتاب.
ودافعه كما أخبرنى أنه أيضًا يجرى فى عروقه نفس حلم كتب الجيب، وإذا كانت الفكرة صعبة تسويقيًا، وربحيًا، فقد اكتفى منها بان يصل لشريحة مختلفة من القراء، عله يكون انطلاقة ونواة لسلاسل تعيد العهد الذهبى لكتب الجيب التى تبينا عليها جميعًا.
هذا الناشر هو محمد المصرى.. مدير الرسم بالكلمات للنشر والتوزيع.
مر المشروع بمراحل دراسة ومناقشة و مد وجزر.
و فى تلك الفترة طرأت لى فكرة أكثر جنونًا، وهى الجريدة القصصية.. التى تطورت حاليًا لمحاولة اصدارها بصورة منتظمة.
فى ليلة رأس السنة التقيت مع الأخ الاكبر محمد المصرى فى وسط البلد، جلسنا على كافتيريا أنيقة قبل انطلاق السنة الجديدة بسويعات، لولا أن عمر عودة ظل  متضايقًا، لأن الكافتيريا  لا يوجد بها معسل (قص)!
ذكريات جميلة لوقت جميل، تناقشنا فيه خلاله فى كل شئ، وكان السؤال:
-هل ستسير فى اتجاه التجريدة القصصية، أم كتب الجيب؟
فكانت وجهة نظرى؛وما الذى يمنع من اختراق الاثنين؟!
النقطة التالية؛ باق على معرض الكتاب حوالى أقل من ثلاثة، فيعتبر اللحاق به صراع غير متكافئ مع الزمن.
وبحمد الله أستطيع القول أننا نجحنا.
وصدر العدد التجريبى لفكرة الجريدة القصصية؛ (وراء الحواس).
والأهم الذى نحن بصدده الآن، هو صدور رواية الجيب الأولى لى، الحلم الذى انتظرته كثيرًا.
رواية تفاعلية جمعنى بزملاء فريق الظلام سابقًا،ـوالمسمى (لأبعد مدى) حاليًا، والمكون من؛
توأمى (محمود عبد الحليم) القلب النابض للفريق، والحاصل على جائزة نبيل فاروق للخيال العلمى، (داليا مصطفى)التى تمنح العمل روحًا وحياة بقلمها الذى يجمع بين الرعب والرومانسى، ومصطفى جميل) العمود الفقرى للمجموعة، والذى نلقى عليه كل الاعباء والتنسيق الإداري.
قررنا خوض تجربة الجيب بعمل يعبر عنا، فخرجت رواية (الأمسية المظلمة) بأبطال قصص يحملون نفس أسمائنا، (اعترضت على هذه الجزيئة بالمناسبة)، كل منهم يحاول أن يواجه لعنته، أو يصنعها.
حاليًا، بدأ توزيع الكتاب فى المكتبات، فوجدتها مناسبة أتذكر فيها كل التوقعات المتفائلة بأن التجربة مقامرة لا مغامرة.
صار الموضوع أكثر من مجرد رواية، وانما هو حياة أو موت لحلم ولد معى.
اكتب هذه الكلمات، لأضعها فى قائمة ملاحظاتى، على أن أعود لها بعد ستة أشهر مثلا، لأقيم أين كنت، وأين أقف حاليًا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة

"