الاثنين، 12 أغسطس، 2013

صمت دخانه الجاحد

          

مثّل لها المدعو رءوف زخات لا تتوقف من علامات التعجب، في عيون رحاب.

تحسد على كم الجمود الذي يمتلكه، تحسده أيضًا -للغرابة- على أنه مدخن شره.

فعندما يصابوا بضغوط شديدة في العمل، وتبلغ القلوب الحناجر، تجد زميلها المقرب يستأذن –بضيق- أنه سيشرب سيجارة ويعود.

بالطبع لا يمكنها أن تفعل مثله، فمسألة أن تكون (فتاة_تدخن) يحتاج جرأة لا تمتلك ذرة منها.

يحشد الحقد داخلها على رءوف لأنه يتمكن من اختلاس دقائق، يجري خلالها إعادة تهيئة لحالته المزاجية، فيخرج خلالها بعيدًا عن تركيب جهاز رسم المخ، وأقطابه، إلخ، وبما إنها لم تستطع أن تكون مثله، اكتفت بالتنفيس عن طاقتها بانتقاده.

وقف مستندًا لحافة الشرفة، فك أزرار البالطو الخانق بينما يراقب الطريق بين أدخنة سيجارته.

تساءلت هي:

- ماذا ترى من الطريق يا رءوف؟ بينما طمست مرمى بصرك بالدخان؟

ها هو ذا يلقي بسيجارته، ويعود.

حسمت مي قرارها، ستنفجر في وجهه، سـتوقد النار في جليد عينيه، أو تنتزع عينيه نفسيهما، تريد أن ترتكب أي جريمة أو دمار يخرجه عن جموده المستفز.

بمجرد أن دفع باب القسم الزجاجي، بادرته:

- كيف تغادر القسم، و العمل في ذروته، ونحن لم ننهي كتالوج التصميم بعد؟؟!

- أولًا: أنا لم أغب أكثر من 3 دقائق بالضبط، ثانيًا:استأذنتك ولم تمانعي، ثم منذ متى  نحسب لبعض حضور أو الغياب، عمومًا لقد جئت الآن ، فيمكنك أن تأخذي استراحة الآن كما تشائين، وسأكمل وحدي.

أغلق رءوف أزرار البالطو، وهو مرادف لأنه أغلق باب النقاش، وسيبدأ التعامل بطريقة جافة رسمية، وهو ما زاد من عصبيتها في المقابل:

- انتظر، لم أنهي كلامي بعد، هكذا أنت دائمًا، مغرور يختبئ خلف قناع من التفهم، بينما تتعامل مع زملاءك مثل.. مثل.. تلك السيجارة التي رميتها منذ دقيتين !!

لم يحرك رءوف ساكنًا، وغرق في عدم الفهم، من؟ فعل ماذا؟ لماذا؟

أخيرًا عثر على ما يمكنه أن يقوله:

- صغيرتي، اسمعيني أنت الآن، الدكتور ثروت لم ينصرف بعد من عيادته في الدور الأسفل، أقترح أن تذهبي إليه الآن، وتدردشي معه، وأثق أن.

- أتظنني مجنونة!! اسمعني أنت هذه المرة  يا رءوف، كي نستمر معًا في هذا القسم، دون خسائر في الأرواح، إذن: أمامك حل من اثنين، إما أن تكف عن استفزازي، وتشعر بـ ........... بـ..ـي.

- لا أفهمك اليوم كليًا يا رحاب، يفترض أنني أبعد يكون عما تقولين، ومع ذلك أود - بدافع الفضول - معرفة الحل الثاني.

أجابته بالفعل لا القول، ووضعت يده  في جيبه عنوة بلا وعي، تختطف علبة السجائر.

- وإما أن تسلفني لفافات تبغك،  و تتركني أستأذن مثلك، فأذهب لأشرب سيجارة وأعود.

أثبت رحاب جديتها، بان رشقت سيجارة بين شفتيها فعلًا.

كانت يدها الممسكة بالسيجارة ترتجف، عمومًا هي تعرف جيدًا أن يعرف منذ أيام الدراسة أن ليس كل تشنج -بالضرورة- صرعًا، قد يكون ارتفاع درجة حرارة أو إصابة شديدة فى الرأس، أو حسب خبرتها الحالية، قد تكون في القلب.

ذهول رءوف جمده عن اتخاذ أي رد فعل، مما أسعد المرأة أنها أخرجته -ولو لثانية عن آليته الشهيرة.

أعطته ظهرها، في حين رأت الطريق إلى الخارج يفترش بنظراتهم مصدومة من مرأها بالسيجارة، ثم تبعها صوت رءوف يناديها محاولًا الفهم.

تجاهلتهم جميعًا، و سارت في خط مستقيم متجهة نحو نفس الشرفة، إلى التحرر من خنقة أزرار البالطو، وإلى مراقبة الطريق بين سحب الدخان.





هناك تعليقان (2):

  1. جميلة القصة :)
    أسلوبك وروحك المرحة وظهورهما فيما تكتب لا يختلف عليهما أحد
    استمر

    ردحذف
  2. بالرغم من مضمون القصة الذى لا يعنينى فى شئ و لا يقدم لى أى محتوى ثقافى أو أخلاقى أو معلوماتى
    إلا أنى أجدك متحكماً فى خيوط القصة القصيرة بحنكة شديدة
    الشئ الوحيد المميز هو تمكنك من أدوات الصياغة و الحبكة القصصية
    تحياتى
    مجدى نبيل

    ردحذف

المشاركات الشائعة

"