الاثنين، 18 فبراير، 2013

رعب الفيس بوك: (قصة من أدب الخيال العلمى)

تضايقت، وتركت له عبر دردشة الفيس لوماً أنيقًا، على غرار:
(أين أنت يا هشام ؟! أكلمك فلا ترد ؟) (من الواضح أنك انشغلت عنا) (أوك ، لو سمح وقتك، أجب عندما تفرغ)
ابتلع هشام ريقه بصعوبة ،و جاهد لألا يريّل على ترينج (أديداس) الذى يرتديه.
أمعقول كل هذا الدلال؟!
الكارثة لو اتّضح في النهاية أن (عاشقة الرومانسية) هى رجل يخدعه ويدعى أنه أنثى، استبعد هشام هذا الوسواس المحبط، وبدأ يكتب:
"سوري يا نيفين ، وكيف لى أن أنشغل عنك، أهناك من يكون مع القمر، وينشغل عنه؟!
إنه خط النت البغيض انقطع كالعادة، أرجو ألا تكونى متضايقة، تعلمين أننى لن أسامح نفسى حينذٍ، سأنتظر فور أن أجدك أون لاين وأصالحك... ".
كاد هشام أن يكمل، لولا أنه توقف فجأة،هرب جسده فى قشعريرة باردة، فهناك مربع دردشة أضاء بالأحمر القاني،وأشار إلى احتضانه رسالة.
الدعابة أن مربع الدردشة الجديد يحمل اسم (H Ibrahim)، وهو الاسم الذى يستخدمه لحسابه هو.
اعتصر هشام ذهنه المشوش بالنعاس، لا يوجد أحد فى قائمة أصدقائه يحمل نفس الاسم؟
و مستحيل طبعاً أن يرسل رسالة لنفسه؟ إذن ...إذن هناك من صنع حساباً بنفس اسمه وصورته، ويداعبه بهذا المقلب.
ترى من صاحب هذا البال الرائق؟ من يملك الفراغ الكاف لحَبْك مزحة كتلك؟
اكتفى هشام بهذا القدر من رسالته مع (عاشقة الرومانسية)، ونقر على زر الإدخال.
ونقر على المربع الحواري الجديد ، فغاب اللون الاحمر عن المستطيل، وظهرت الحروف الثلاثة المعتادة:
- هاى.
هذه هى التحية التى وجدها فى الرسالة، نظر هشام للمرّة العاشرة إلى رأس المربع.
- هاى ورحمة الله وبركاته.
ظهر ما يفيد بأن محدثه يكتب رداً، فلم ينتظره هشام.
بل نقر على اسمه فى قمة مربع الدردشة.
سينتقل الآن إلى صفحته، ويعرف من يتلاعب به تحديداً، انتظر هشام انتهاء تحميل الصفحة.
-هل نمت جيداً؟
ظهرت هذه العبارة الجديدة ، فى حين ارتعشت يد هشام الممسكة بالماوس،فقد ذهل من البروفايل الذى أمامه.
فصفحة محدِّثه هى نفسها صفحته؛ نفس المنشورات،آخر النشاطات، الصور.
أي أن أحدهم سرق حسابه، ويحدّثه منه.
لكن كيف؟ أيمكن أن يحدث ذلك؟كيف يستخدم اثنان نفس الحساب فى نفس الوقت، ويدردشان سوياً منه؟
انتبه هشام لما هو أفدح، كيف عرف مخاطبه بوقوعه فى النعاس أمام الكميوتر، واستيقاظه لتوه ؟
كتبت أنامل هشام المتعجلة:
- أعترف أنها خدعة متقنة ، ها أنا ذا أرفع يداي عن لوحة المفاتيح، وأصفّق لك.
والآن أوجز، واخبرني من أنت؟
- ألم تدخل على بروفايلى حالاً، لتجد أنه – ببساطة- صفحتك؟
الإجابة واضحة أمامك ،أنا أنت، أو - بالأحرى - ظلك الرقمى . ^_^
ضرب برق الدهشة هشام،وشُلت أصابعه المتراقصة فوق لوحة المفاتيح.
كيف عرف بفتحه البروفايل؟
تبلبلت قدرة هشام على الاستيعاب، فاتسعت عيناه ، وتدلّى فكه السفلي فى بلاهة .
- ظل مين يا (روح خالتك) ؟؟!
لقد تورمت دماغى من سخافاتك ،اوجز وقل من أنت ، أو سأجري لك حظر (بلوك) .
جاءه الرد السريع من الجانب الآخر:
- ساعتها ستكون أول شخص يجرى حظر لنفسه.
بلغ هشام إشعار مختلف هذه المرة،إنه طلب من محدثه بالدخول فى مكالمة فيديو.
ارتاح هشام للإشعار، أن مخادعه ملّ مخادعته، وسيكشف له عن وجهه.
ضغط هشام زر الموافقة، فظهر مربع يحمل صورة الطرف الآخر.

****************
لو أن سيارة نقل (ميتسوبتشى) صدمت هشام لما كان لها نفس التأثير.
لقد تراجع إلى الخلف، حتى كاد يسقط من مقعده،أغمض عينيه مع هزة رأس ،علّه يفيق، وعندما فتح عينيه لم تختلف الصورة.
إن الشخص المقابل يطابقه 100% .
نفس الملامح، نفس ترينج أديداس ، حتى جدران الغرفة وبوستراتها فى الخلفية، حتى زاوية ووضعية الكاميرا نفس التي يختارها هو دائمًا.
نفس الزاوية المنخفضة (law angle) كما يسمونها فى السينما، وتمنح إيحاء بالقوة وتعطي وجهه تأثيرات درامية.
نظر (هشام) بهول إلى عفريته،هذا لو أن هناك عفاريت تستخدم دردشة الياهو ،وسمعه يقول بنفس صوته:
- أما زلت ترفض تصديقي، سأخبرك بما يجعلك تقتنع.
سأخبرك عن (H king) حسابك الاحتياطي على الفيس، والذى تطارد به من أجرى لك حظر.
عن الحساب الآخر المسمى (نسمة جريئة) ، والذى تخدع به صديقك كمال، وتخاطبه على أنك فتاة،أو عن منشوراتك أننا سننزل الميدان، والمجد للشهداء،ثم حديثك لـكريم عبر الخاص:(تنزل إلى أين يا كريم؟ المسألة وصلت لطلقات الخرطوش ،وبالتالى سيتحول الواحد منا إلى لمصفاة، أخبرنى: كيف نستطيع الزواج لاحقاً بجسد كالمصفاة ؟)
سأخبرك –يا هشام- عن تشييرك دعايا الحزب الإسلامي في الانتخابات؟
وبالتوازي مع نفس الفترة ،كنت من أوائل من حملّوا فيلم (عبده موتة) من مواقع الـDVD، أم أذكّرك بمرة فتحت فيها الكاميرا مع الأخت اللعوب (IM Easy ، وعرض اللأزياء الذى كنتما تجريانه.
أنت لم تكررها ثانية، فربما نسيت.
هل تريد أن أذكّرك منذ متى فعلتها؟ أم أن عرضي الشرائط لك سينعش ذاكرتك أكثر؟
رفقاً بنفسك، وبهذا الذهول الذى يلون وجهك .
أعلم أنك مصدوم ، و تعجز عن تصوّر: (كيف يسيطر عليك ظلك الرقمى)؟ لم تنكز يوماً نفسك ،وتطرح عليها هذه الأسئلة المجنونة:
كيف ومتى انقسمت إلى شخصين، هشام الواقعى واتش الرقمى؟
كيف التهمني الاهتمام بتواجدي الافتراضي؟ فطمس تدريجياً شخصيتي الأصلية؟
ألم تخطر في بالك علامة الاستفهام العبثية:
ماذا لو تحرر (ظلي الافتراضي) ودخلنا أنا وهو فى معركة؟ ترى من الأقوى؟
(أظلمت الخلفية من وراء هشام الرقمي، وتضاعف مطر الجذل الذي يتقطر من صوته)
- اجر إحصائية بسيطة، وانظر كم ساعة تقضيها في صنعي.
فى البداية كانت من أربع إلى ست ساعات يومياً.
والآن لا تقل عن عشر ساعات ،أي أنني –ظلك الافتراضي- أحظى بالنصيب الأوفر من الوجود.
- وبالتالى صدق أو لا تصدق ، أنا الأقوى.
لا تلومنّ فى ذلك إلا نفسك.
أنت من جعلت ظلك أقوى ألف مرة منك.
عمّا قريب سيكتمل الاستحواذ، سيصبح هشام الواقعي مجرد صنم متحرك،ستتوقف قدرتك على إصدار أفعال أو ردود أفعال،ومع أي احتكاك فى الحياة، ستنجرّ إليّ كالدمية ؛ستفتح موابايلك الـ N90) )،أو حاسبك النقال ،أو وسيلة اتصال بالإنترنت، فتحني هامتك أمامي – أنا الظل العظيم- وتسلم لي اتّخاذ كل الأفعال و ردود الأفعال عنك.
أشعر بك تصدر مقاومة هزيلة، تتألم من ضعفك أمامي، لا تقس على نفسك .
لست وحدك.
كل أقراني يحرزون تقدمًا فائقًااً، رايات انتصارنا تعلو وتعلو،وعمّا قريب سيرسم الواقع بريشة فضائه الافتراضي.
زحف الظلام من غرفة هشام الرقمي إلى نظيره الواقعي، وغامت الدنيا - تدريجياً- أمام الثانى.
سقط هشام من حافة الوعي، وهوى سريعًا إلى الأسفل، إلى مملكة ظله الافتراضى.

هناك 8 تعليقات:

  1. جميلة يا صاحبي :)
    بس ياريت تشيل " بحق الشيطان" و تخليها "بحق الله" أو الغيها خالص، و السبب واضح طبعاً.

    ردحذف
  2. وكأني تحدثت على لسانك ياياسين فقلت ما اود قوله ....رائعة ياصاحبي شكراااااااا

    ردحذف
    الردود
    1. أجمل تعليق سمعته فى حياتى.
      ^_^
      أشكرك بشدة

      حذف
  3. حلو الإسقاط دا يا ياسين .. بس فعلاً شيل "بحق الشيطان"

    ردحذف
  4. بالطبع أنا متفهم جميع آرائكم يا شباب .
    لكن لو كانت كل الشخوص الخيالية مؤمنة مستقيمة ملتزمة دينياً،لن يكون أدب اطلاقا.
    إن (هشام) شخص مستهتر ، لا يعرف الخطأ العقائدى فى الكلمة التى قالها،حاله حال الكثير من الشباب،إذن لابد أن تكون لغة الشخصية مثل لغة هؤلاء،لعل أحدهم ير الكلمة من الخارج ، فيتوقف عندها،ويتساءل،ويفهم خطأه.
    إنه الإصلاح بطرح الجانب الظلم منا ، فيصل المتلقى إلى الحقيقة من خلال (الصدمة).

    أو لأقولها بطريقة آخرى: ( أحياناً لكى أنتصر للمبادئ ،لابد أن أهزمها فى قصصى).

    عموماً لقد حذفت الكلمة لسبب مختلف تماماً،أحد الأصدقاء نصحنى بإزالة الترسبات داخل القصة المنتمية لأسلوب نبيل فاروق، مثل إزالة الأقواس، وتقطيع الجمل،وكلمات (رباه، بحق الشيطان، الوغد).

    :D
    عموماً سأكررها للمرة العاشرة، أسعدنى جداً ملاحظاتكم و آرائكم،إنها الدافع الأصيل الذى يجعلنى أمسك بالقلم وأكتب.

    ردحذف
  5. الفكره مشوقه اجبرتى على تكمله القراءه والاسلوب السردى ايضا متماسك
    أهنئك على قصتك العجيبه ياياسين

    ردحذف
  6. أخي ياسين..
    قرأت قصتك "رعب الفيس بوك".. واسمح لي بالتعليق عليها من خلال نقاط غير مرتبة لأني دونتها عقب القراءة مباشرة خشية النسيان:

    - فكرة القصة جميلة جدا وطريقة السرد مشوقة وبالفعل تجذب القارئ من تلابيبه ليصل للنهاية.

    - تحمل القصة فكرة فلسفية مهمة وتحذر من مرض حقيقي يكاد يسيطر على كثير منا، وهو ازدواجية الشخصية أثناء التعامل مع الآخرين إلكترونيا (تحت غطاء السرية)، وهو مرض أرى أنه فضلا عن كونه نفسي بدرجة كبيرة، إلا أنه ينسحب أيضا إلى جانب شرعي خطير في علاقتنا بالله وبالناس، وهو الكذب المستمر الذي يتحول إلى نفاق حقيقي والعياذ بالله.

    - تأثرك في الطرح ارتبط ارتباطا واضحا بواحدة من أكبر الظواهر التي تخللت حياتنا كلها منذرا بواحدة من سلبياتها الخطيرة.. وهذا يحسب لك لأن هذا من أدوار الكاتب المهمة في الحياة..

    - وصفك للغرفة (بيئة القصة) دقيق جدا ويساعد القارئ على تخيل المكان بوضوح لدرجة الاندماج مع البطل أثناء الأحداث..

    - من الطبيعي أن يأتي حوار الأخوين بلهجة شباب العصر؛ لكن رأيي أن دور الكاتب (مثل الفنان) أن يصف الواقع للقارئ مع الارتقاء بحسه الفني وتذوقه اللغوي.. فكان يمكن إدارة الحوار بينهما بلهجة شبابية جدا دون الحاجة إلى تعبيرات مثل: "الظرف بتاع أهلك" و"كوابيسك كلها (هتش)" وأشباهها.. وهو ما يتصادم مع لغتك الجيدة جدا في الوصف.. ولا يفوتني هنا أن أنبهك إلى ضرورة توحيد لغة الحوار؛ فقد حدث انتقال أكثر من مرة بين اللهجة العامية واللغة الفصحى مما أربكني كقارئ، وسلبية هذا الارتباك أنه يقوّض شخصية البطل التي يتم بناءها عبر الحوار خطوة بخطوة لتزيدها واقعية وتقبلا لدى القارئ..

    - أفضّل الاستغناء عن الرسالة التي وضعتها في مقدمة القصة ثم أصررت على إعادتها بعد النهاية.. فهذا أعتبره تدخلا من الكاتب في الأحداث بأسلوب فيه وصاية واضحة على القارئ وعلى بطل القصة في ذات الوقت.. فكلما كان الكاتب متواريا في الخلفية كان هذا أفضل للقارئ في معايشته الحية للأحداث وفقا للقاعدة التي تعلمناها من الدكتور خالد توفيق بين القارئ والكاتب: "دعني أنخدع - دعني أخدعك"؛ فالقارئ ليس في حاجة من الكاتب أن يطل برأسه من حين لآخر للتعليق على الأحداث - وهو أسلوب يهواه بعض الكتاب - مما يخرج القارئ من تعايشه الممتع مع الأحداث.. فضلا عن أنه يفضل ألا تكون الرسالة الموجهة للقارئ مباشرة بهذا الشكل.. بل يتم تضمينها عبر الأحداث ليستنتجها القارئ.. فقد يخرج القارئ بأكثر من رسالة لم يكن الكاتب يقصدها أساسا..!!
    باختصار: لا تحجر على فهم القارئ لقصتك.. ولا تكن وصيا على البطل.

    ردحذف
  7. ا توجد كلمات تصف سعادتى لاهتمامك بالقصة لدرجة اقدامك على كتابة هذه الملاحظات المفيدة ، فقبل أى شئ لابد أن أوجه الشكر لحضرتك ..

    كما أفرحنى ان القصة أعجبت حضرتك مجملاً ..

    بخصوص العبارة المكررة ، فقد تخيلت اننى اكتب كتاب الكترونى ، وتعاملت معها بمنطق أنها المقدمة و الغلاف الخلفى ..

    أما عن (اللغة ) فهذا هذا يقودنا لاشكالية أدبية بالغة النسبية ، وهى :
    هل نتكلم بلغة راقية لنرفع المجتمع للإرتقاء معها ؟
    (شكسبير) و(أوسكار وايلد) من أمثلة الأدباء الذين يعتقدوا ان الإجابة نعم ..
    ينتقد هذا الاتجاه ، بان القارئ لن يصدق شخصياتك ، وسيشعر تجاهها بالإغتراب لانه لا يرى أحد شخصية فى تلك البيئة البسيطة تتتحدث بهذه الطريقة ..
    الاتجاه الآخر : ان تتكلم بلغة المجتمع نفسها ، حاول أن تخفف من عبارتها الصادمة أو الثقيلة ، لكن لابد ان تنطلق منها ذاتها ..
    هناك من صدموا القراء بانتهاجهم هذا الأسلوب بأقسى صوره مثل أحمد مراد ، وبقدر الصدمة التى يسببها لى أحمد مراد بقدر عجزى عن انكار كونه عبقرى بلا ذرة شك..
    هذا ذكرنى بنقطة آخرى ، ان رقى اللغة بدوره مسألة نسبية ، فعندما كتبت دانتى ملحمته ، اعتبروها معاصريه مثال للسوقية والابتذال،وبعد مرور عقود تغيرت لغة المجتمع فى ايطاليا فصارت مفردات دانتى هى بمثابة مفردات عادية جداً وأكثر من مقبولة ..
    وهكذا تظل هذه النقطة تحتمل وجهات النظر ، ويستمر لكل من الاتجاهيين منطقه ، بالنسبة لى أحب الفصحى بدرجة مطلقة ، ولا اضطر لكسر هذه القاعدة الا عندما أعبر عن مجتمعات محلية ، أريد ان يصل القارئ الاحساس بروحها ، أو عندما اتحدث بلسان أشخاص بعيدين عن الرقى ..
    مممممم
    ربما أحتاج لان اصل الى حصيلة لغوية أقوى ، أجد م خلالها طريقة لتضييق لجوئى للعامية ، أو للتعبير عن الحالتين التى استثنيتهما دون الخروج عن الفصحى ..
    وأحاول فعلاً الوصول إلى ضبط هذه المعادلة قدر الإمكان ، وأخال هذه المحاولات لا يجب تتوقف ، لان التطوير لا يتوقف عن حد ..ويجب ان يكون فى صورة مستمرة ..خصوصا فى مسألة شديدة النسبية مثل اللغة ..

    ردحذف

المشاركات الشائعة

"