الاثنين، 28 يناير، 2013

(7+1=1): قصة قصيرة من أدب الخيال العلمي




أحاط الأشباح بالمهندس يوسف في دائرة كاملة!
سبعة أجساد مضيئة نصف شفافة ، جميعها تطابق هيئته 100% ، وإن تخلل أجسادهم جميعاً رقمي الصفر والواحد ، عشرات من رقمي الصفر والواحد ، يظهرون ويختفون بلا انقطاع.
الفرق هو اختلاف ألوانهم.
إذ اتّخذ كل منهم أحد ألوان الطيف: الأحمر، البرتقالي، الأصفر، الأخضر، الأزرق، النيلي، البنفسجي.
طوّق المهندس قوس قزحهم المهيب، دونما منفذ، فانعكس وهجهم على جسده، مما أكسبه قبس من منظرها المهيب.
الغريب أن ذرة فزع لم تبدو علي ملامحه، كان القلق فحسب، ولا شيء غيره.
هاجس الفشل يطارده كالعادة، مما جعله يراجع التأكد من برمجة أشباحه للمرة الثامنة، فطاف بين تفاصيل تلقينهم، ومع إجراءاته كرر الثمانية نفس العبارات آلياً، وبدأوا في اتخاذ معالم خارجية جلية، اتضح لحظتها فقط كم يطابقونه بنسبة 100%، نفس القامة والملامح وكأنهم مستنسخين منه.. منذ البداية.
ترك يوسف الشاشة ، وأعطاهم تعليماته الأخيرة مباشرة.
بدأ بـ (يوسف الأصفر)، وأخبره بأنه يخال ثمة خطأ قد حدث في برمجته، فصار لديه إسهال في الإسهاب السياسي الثوري.
-لتحذر من ذلك، لا أريدك أن تحيد عن مهمتك، لقد أرسلتك لتأتي بحلول إلى هنا، لا لتصنع قلاقل هناك.
ثم التفت إلى (يوسف الأحمر)، وصارحه أنه لا يستريح له بالذات، ورجاه أن يخفف من المنشورات (posts) الرمانسية؛ من غير المستحب أن يعلق فتيات العالم الآخر بك.
جاء الدور على الشبح الذي يحمل لون المهندس المفضل:
-(يوسف الأزرق)، أنت كثير الحديث عن المثالية، ثم تأتي في آخر لحظة وتتصرف بنذالة، حاول أن تغيّر من طباعي داخلك.
- أوامرك، سأجتهد في كبت نذالتي .
- أحمق، بل أريدك أن تكبت المثالية .
ارتبكت وحدات المنطق داخل الأزرق، وظهر ذلك –جليّاً- في تهيج الصفر والواحد داخل تكوينه، في المقابل، دعك يوسف جبينه بكفه لثانية، من أين له بكلمات تعبر عما يريد قوله؟
استغرق ثوان حتى نجح في العثور على بعضها، فهمس:
- افهمني، المثالية مرادف للعزلة، وأنا أرسلتك لتندمج في عالمهم، لا لتعتزلهم – تهدج صوت (يوسف)- فلا تكرر خطئي هنا.
تحرك يوسف خارج الدائرة، فبما أنها المرة الأخيرة التي سيراهم فيها، يرغب أن يودعهم بنظرة شاملة أوسع.
سبعة أطياف، إلى سبعة أبعاد.
فكما يعلم الجميع؛ اختراق العوالم الموازية مسألة عصية على البشر، حتى نجح المهندس -أخيرًا- في اصطناع "بديل"!
سبع نسخ، برمجها على مقاس تركيبته النفسية.
الزمن التقديري:
-عام كامل يبدأ من اليوم، وحتى 19 مارس القادم.
الدور:
-يتسلل كل منهم إلى انترنت العالم المنوط به (الذي يحمل لونه)، فيندمج ويتفاعل كأحد حسابات مواقع التواصل.
المطلوب:
-المقارنة والقياس لمسارات التاريخ البديل، مع محاولة استخلاص حلول لمشاكل العالم الأصلي عمومًا، والمهندس (يوسف) خصوصًا، على أن..
انتبه الرجل فجأة ، لقد داهم الوقت ، تبقّت ثوان على منتصف الليل، حاول أن يصطنع وداعاً دراميًا، أو يقول كلمات مسرحية، لكن.. سُحقًا.. كان سيف الوقت أسبق، فأضاءت النسخ السبعة كل بلونها المميز، فكوّنت قوس قزح رقمي، لا نظير لبهاءه، ثم تلاشت.
رحل كل منهم إلى وجهته الموازية .
يكره يوسف الاعتراف بذلك، لكنها بالفعل لحظة أذابت قلبه حنينًا؛ فهؤلاء ليسوا اختراع العمر بالنسبة له، بل نسخ من ذاته بالمعنى الحرفي، أجزاء مقتطعة من كيانه، وما أقسى أن تودع أجزاء من كيانك!

**************

التاسع عشر من مارس اللاحق .
جهّز ابن يوسف للحفلة الصغيرة، ودعا إليها معارف والده المحدودين.
اليوم هو عيد مولد الأب.
وللأسف؛ حضور أمه غير وارد طبعًا، فعلاقتها بوالده ملغمة منذ انفصلا.
راجع الابن ترتيباته بالكامل: طاولة المطعم التي حجزها، التورتة، الهدايا.
صفقت يدا الابن بجذل، الآن تبقّت مشكلة كل سنة، وهى تذكير (يوسف) نفسه بحضور الحفل.
مشكلة هذا العام تعقّدت بعض الشيء، فالأب لم يحضر أصلًا، ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل اختفى تمامًا لأسبوع كامل.
وكما اختفى فجأة، ظهر فجأة، عثر عليه الابن في الصباح التالي؛ وجده جالساً على عتبة الشقة، متكومًا على نفسه.
حاول ابنه أن يفهم، فلم يجب يوسف بغير كلماته الهاذية:
- اعتمدت عليهم في مشاكل العالم أجمع، أو حتى مشاكلي الشخصية كحد أدني، سأجن، لماذا لم يعودوا؟ ولا حتى واحد منهم عـ..
خرس لسان يوسف، ليهدر عقله مقلبًا بين كل الاحتمات:
هل اكتشفوا أمرهم؟ كلا، محال.. إذن.. أحدث خلل فى برمجتهم؟
هل انصهروا في تلك العوالم، فاستأنسوا البقاء، ونسوا مهمتهم الأصلية؟ كلا.. هذه فرضية أكثر استبعادًا من الأولى.. كيف تكتسب النسخ مقدرة الاندماج، بينما يفتقدها الأصل!
-أنا عاجز عن تخيّل السبب، اخبرني يا ولدي: كيف؟ يفترض أن يأتوا فى الموعد رغم أي شيء.
عجز الابن عن الفهم بطبيعة الحال:
- ما الذي حدث لك يا أبي، وأين اختفيت كل هذا، عفوًا، لم أستوعب أي شيء مما تقوله: من هؤلاء؟ وموعد مع من تقصد؟
يوسف:
-(بصوت منكسر خفيض) كان موعداً مع نفسي – (بصوت منهار أعلي ) - و لم تأت (نفسي) في الموعد.



                                             (تمت)

  "من المجموعة القصصية: (الفضاء الآخر- دار سما للنشر والتوزيع"

هناك 4 تعليقات:

  1. مممممممممممم
    جميلة
    فلسفية اوووي

    ردحذف
  2. هههههههههه

    صحيح انى مبحبش الفلسفة .
    بس أتمنى تكون عجبتك عموما
    ^_^

    ردحذف
  3. حلوه يا ياسين
    جميله
    تحياتي

    ردحذف

المشاركات الشائعة

"